فهرس الكتاب

الصفحة 550 من 677

صورة الأدب في حق الله، وهم يواجهون الهول الذي يذهل النفوس، ويقيدها بالخطر الراهق لا تتعداه. ولكنه لا يذهل نفوس المؤمنين عن التوجه إلى الله.. لا لتطلب النصر أول ما تطلب - وهو ما يتبادر عادة إلى النفوس - ولكن لتطلب العفو والمغفرة، ولتعترف بالذنب والخطيئة، قبل أن تطلب الثبات والنصر على الأعداء:

وما كان قولهم إلا أن قالوا: ربنا اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين..

إنهم لم يطلبوا نعمة ولا ثراء. بل لم يطلبوا ثوابا ولا جزاء.. لم يطلبوا ثواب الدنيا ولا ثواب الآخرة. لقد كانوا أكثر أدبا مع الله، وهم يتوجهون إليه، بينما هم يقاتلون في سبيله. فلم يطلبوا منه - سبحانه - إلا غفران الذنوب، وتثبيت الأقدام.. والنصر على الكفار. فحتى النصر لا يطلبونه لأنفسهم إنما يطلبونه هزيمة للكفر وعقوبة للكفار.. إنه الأدب اللائق بالمؤمنين في حق الله الكريم.

وهؤلاء الذين لم يطلبوا لأنفسهم شيئا، أعطاهم الله من عنده كل شيء. أعطاهم من عنده كل ما يتمناه طلاب الدنيا وزيادة. وأعطاهم كذلك كل ما يتمناه طلاب الآخرة ويرجونه:

فآتاهم الله ثواب الدنيا، وحسن ثواب الآخرة..

وشهد لهم - سبحانه - بالإحسان. فقد أحسنوا الأدب وأحسنوا الجهاد، وأعلن حبه لهم. وهو أكبر من النعمة وأكبر من الثواب:

والله يحب المحسنين..

وهكذا تنتهي هذه الفقرة في الاستعراض؛ وقد تضمنت تلك الحقائق الكبيرة في التصور الإسلامي. وقد أدت هذا الدور في تربية الجماعة المسلمة. وقد ادخرت هذا الرصيد للأمة المسلمة في كل جيل..

أهم أحداث المعركة وتصحيح التصور ثم يمضي السياق خطوة أخرى في استعراض أحداث المعركة؛ واتخاذها محورا للتعقيبات، يتوخى بها تصحيح التصور، وتربية الضمائر، والتحذير من مزالق الطريق، والتنبيه إلى ما يحيط بالجماعة المسلمة من الكيد، وما يبيته لها أعداؤها المتربصون:

ولقد كانت الهزيمة في أحد مجالا لدسائس الكفار والمنافقين واليهود في المدينة. وكانت المدنية لم تخلص بعد للإسلام؛ بل لا يزال المسلمون فيها نبتة غريبة إلى حد كبير. نبتة غريبة أحاطتها"بدر"بسياج من الرهبة، بما كان فيها من النصر الأبلج. فلما كانت الهزيمة في أحد تغير الموقف إلى حد كبير؛ وسنحت الفرصة لهؤلاء الأعداء المتربصين أن يظهروا أحقادهم، وأن ينفثوا سمومهم؛ وأن يجدوا في جو الفجائع التي دخلت كل بيت من بيوت المسلمين - وبخاصة بيوت الشهداء ومن أصابتهم الجراح المثخنة - ما يساعد على ترويج الكيد والدس والبلبلة في الأفكار والصفوف.

وفي هذه الفقرة التالية من الاستعراض القرآني الموجه - وهي تمثل جسم المعركة وأضخم مشاهدها - نسمع الله سبحانه يدعو الذين آمنوا ليحذرهم من طاعة الذين كفروا؛ ونسمعه - سبحانه - يعدهم النصر على عدوهم، وإلقاء الرعب في قلبه؛ ويذكرهم بالنصر الذي حققه لهم في أول المعركة، حسب وعده لهم؛ والذي إنما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت