1 -الِاسْتِسْلَامُ فِي اللُّغَةِ: الِانْقِيَادُ وَالْخُضُوعُ لِلْغَيْرِ. وَيَسْتَعْمِلُ الْفُقَهَاءُ كَلِمَةَ"اسْتِسْلَامٍ"بِهَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا. وَيُعَبِّرُونَ أَيْضًا عَنْ الِاسْتِسْلَامِ بِ"النُّزُولِ عَلَى الْحُكْمِ وَقَبُولِ الْجِزْيَةِ". الْحُكْمُ الْإِجْمَالِيُّ، وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ: 2 - أ - اسْتِسْلَامُ الْعَدُوِّ سَوَاءٌ أَكَانَ كَافِرًا - مَا لَمْ يَكُنْ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ - أَمْ مُسْلِمًا بَاغِيًا مُوجِبٌ لِلْكَفِّ عَنْ قِتَالِهِ. وَقَدْ أَفَاضَ الْفُقَهَاءُ فِي الْحَدِيثِ عَنْ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ، وَفِي كِتَابِ الْبُغَاةِ. 3 - ب - لَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَسْتَسْلِمَ لِعَدُوِّهِ الظَّالِمِ - سَوَاءٌ كَانَ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا - إلَّا أَنْ يَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ عَلَى عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ، وَلَا يَجِدُ حِيلَةً لِلْحِفَاظِ عَلَيْهَا إلَّا بِالِاسْتِسْلَامِ، فَيَجُوزُ لَهُ الِاسْتِسْلَامُ حِينَئِذٍ. وَقَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِينَ الِاسْتِسْلَامُ لِعَدُوِّهِمْ فِي سَاحَةِ الْمَعْرَكَةِ إلَّا بِهَذَا الشَّرْطِ. وَذَكَرُوا فِي كِتَابِ الصِّيَالِ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمَصُولِ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَسْلِمَ لِلصَّائِلِ إلَّا بِهَذَا الشَّرْطِ أَيْضًا. وَذَكَرُوا فِي كِتَابِ الْإِكْرَاهِ: أَنَّ الْإِكْرَاهَ عَلَى بَعْضِ الْأَفْعَالِ، لَا تَتَرَتَّبُ آثَارُهُ إلَّا إذَا كَانَ الِاسْتِسْلَامُ لِلْمُكْرِهِ (بِكَسْرِ الرَّاءِ) بِهَذَا الشَّرْطِ.
55 -وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى شُرُوطٍ يَلْزَمُ تَوَافُرُهَا لِجَوَازِ الِاسْتِئْسَارِ هِيَ: أَنْ يَخَافَ أَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَى عَدَمِ الِاسْتِسْلَامِ قَتْلُهُ فِي الْحَالِ، وَأَلَّا يَكُونَ الْمُسْتَسْلِمُ إمَامًا، أَوْ عِنْدَهُ مِنْ الشُّجَاعَةِ مَا يُمْكِنُهُ مِنْ الصُّمُودِ، وَأَنْ تَامَنَ الْمَرْأَةُ عَلَى نَفْسِهَا الْفَاحِشَةَ. وَالْأَوْلَى - كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْحَنَابِلَةُ - إذَا مَا خَشِيَ الْمُسْلِمُ الْوُقُوعَ فِي الْأَسْرِ أَنْ يُقَاتِلَ حَتَّى يُقْتَلَ، وَلَا يُسْلِمَ نَفْسَهُ لِلْأَسْرِ، لِأَنَّهُ يَفُوزُ بِثَوَابِ الدَّرَجَةِ الرَّفِيعَةِ، وَيَسْلَمُ مِنْ تَحَكُّمِ الْكُفَّارِ عَلَيْهِ بِالتَّعْذِيبِ وَالِاسْتِخْدَامِ وَالْفِتْنَةِ، وَإِنْ اسْتَاسَرَ جَازَ، لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ.
دَفْعُ الصَّائِلِ عَلَى النَّفْسِ وَمَا دُونَهَا: 5 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ دَفْعِ الصَّائِلِ عَلَى النَّفْسِ وَمَا دُونَهَا. فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ - وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ - إلَى وُجُوبِ دَفْعِ الصَّائِلِ عَلَى النَّفْسِ وَمَا دُونَهَا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الصَّائِلُ كَافِرًا أَوْ مُسْلِمًا، عَاقِلًا أَوْ مَجْنُونًا، بَالِغًا أَوْ صَغِيرًا، مَعْصُومَ الدَّمِ أَوْ غَيْرَ مَعْصُومِ الدَّمِ، آدَمِيًّا أَوْ غَيْرَهُ. وَاسْتَدَلَّ أَصْحَابُ هَذَا الرَّايِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ} فَالِاسْتِسْلَامُ لِلصَّائِلِ إلْقَاءٌ بِالنَّفْسِ لِلتَّهْلُكَةِ، لِذَا كَانَ الدِّفَاعُ عَنْهَا وَاجِبًا. وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ} وَلِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: {مَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ} وَقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: {مَنْ أَشَارَ بِحَدِيدَةٍ إلَى أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ - يُرِيدُ قَتْلَهُ - فَقَدْ وَجَبَ دَمُهُ} . وَلِأَنَّهُ كَمَا يَحْرُمُ عَلَى الْمَصُولِ عَلَيْهِ قَتْلُ نَفْسِهِ، يَحْرُمُ عَلَيْهِ إبَاحَةُ قَتْلِهَا، وَلِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى إحْيَاءِ نَفْسِهِ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ فِعْلُ ذَلِكَ، كَالْمُضْطَرِّ لِأَكْلِ الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهَا. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إلَى أَنَّهُ إنْ كَانَ الصَّائِلُ كَافِرًا، وَالْمَصُولُ عَلَيْهِ مُسْلِمًا وَجَبَ الدِّفَاعُ سَوَاءٌ كَانَ هَذَا الْكَافِرُ مَعْصُومًا أَوْ غَيْرَ مَعْصُومٍ، إذْ غَيْرُ الْمَعْصُومِ لَا حُرْمَةَ لَهُ، وَالْمَعْصُومُ بَطَلَتْ حُرْمَتُهُ بِصِيَالِهِ، وَلِأَنَّ الِاسْتِسْلَامَ لِلْكَافِرِ ذُلٌّ فِي الدِّينِ، وَفِي حُكْمِهِ كُلُّ مَهْدُورِ الدَّمِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، كَالزَّانِي الْمُحْصَنِ، وَمَنْ تَحَتَّمَ قَتْلُهُ فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْجِنَايَاتِ. كَمَا يَجِبُ دَفْعُ الْبَهِيمَةِ الصَّائِلَةِ، لِأَنَّهَا تُذْبَحُ لِاسْتِبْقَاءِ الْآدَمِيِّ، فَلَا وَجْهَ لِلِاسْتِسْلَامِ لَهَا، مِثْلُهَا مَا لَوْ سَقَطَتْ جَرَّةٌ وَنَحْوُهَا عَلَى إنْسَانٍ وَلَمْ تَنْدَفِعْ عَنْهُ إلَّا بِكَسْرِهَا. أَمَّا إنْ كَانَ الصَّائِلُ مُسْلِمًا غَيْرَ مَهْدُورِ الدَّمِ فَلَا يَجِبُ دَفْعُهُ فِي الْأَظْهَرِ، بَلْ يَجُوزُ الِاسْتِسْلَامُ لَهُ، سَوَاءٌ كَانَ الصَّائِلُ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا، وَسَوَاءٌ أَمْكَنَ دَفْعُهُ بِغَيْرِ