أدهى وأمر من كل عذاب رأوه أو يرونه في هذه الأرض وأدهى وأمر من كل مشهد رأوه مرسوما فيما مر. من الطوفان، إلى الصرصر. إلى الصاعقة. إلى الحاصب. إلى آخذ فرعون وآله أخذ عزيز مقتدر!
ثم يفصل كيف هي أدهى وأمر. يفصل هذا في مشهد عنيف من مشاهد القيامة:
إن المجرمين في ضلال وسعر. يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر ..
في ضلال يعذب العقول والنفوس، وفي سعر تكوي الجلود والأبدان .. في مقابل ما كانوا يقولون هم وأمثالهم من قبل: أبشرا منا واحدا نتبعه؟ إنا إذا لفي ضلال وسعر. ليعرفوا أين يكون الضلال وأين تكون السعر!
وهم يسحبون في النار على وجوههم في عنف وتحقير، في مقابل الإعتزاز بالقوة والاستكبار. وهم يزادون عذابا بالإيلام النفسي، الذي كأنما يشهد اللحظة حاضرا معروضا على الأسماع والأنظار: ذوقوا مس سقر!
ظل هذا المشهد المروع المزلزل يتجه بالبيان إلى الناس كافة، وإلى القوم خاصة. ليقر في قلوبهم حقيقة قدر الله وحكمته وتدبيره ..
إن ذلك الأخذ في الدنيا، وهذا العذاب في الآخرة. وما كان قبلهما من رسالات ونذر، ومن قرآن وزبر. وما حول ذلك كله من خلق ووجود وتصريف لهذا الوجود ..
إن ذلك كله، وكل صغيرة وكبيرة مخلوقة بقدر، مصرفة بقصد، مدبرة بحكمة. لا شيء جزاف. لا شيء عبث. لا شيء مصادفة. لا شيء ارتجال:
إنا كل شيء خلقناه بقدر.
كل شيء .. كل صغير وكل كبير. كل ناطق وكل صامت. كل متحرك وكل ساكن. كل ماض وكل حاضر. كل معلوم وكل مجهول. كل شيء .. خلقناه بقدر ..
قدر يحدد حقيقته. ويحدد صفته. ويحدد مقداره. ويحدد زمانه. ويحدد مكانه. ويحدد ارتباطه بسائر ما حوله من أشياء. وتأثيره في كيان هذا الوجود.
والذبابة تبيض ملايين البويضات. ولكنها لا تعيش إلا أسبوعين. ولو كانت تعيش بضعة أعوام، تبيض فيها بهذه النسبة لغطى الذباب وجه الأرض بنتاجه؛ ولغدت حياة كثير من الأجناس - وأولها الإنسان - مستحيلة على وجه هذه الأرض. ولكن عجلة التوازن التي لا تختل، في يد القدرة التي تدبر هذا الكون، وازنت بين كثرة النسل وقصر العمر فكان هذا الذي نراه!
والميكروبات - وهي أكثر الأحياء عددا، وأسرعها تكاثرا، وأشدها فتكا - هي كذلك أضعف الأحياء مقاومة وأقصرها عمرا. تموت بملايين الملايين من البرد، ومن الحر، ومن الضوء، ومن أحماض المعدات، ومن أمصال الدم، ومن عوامل أخرى كثيرة. ولا تتغلب إلا على عدد محدود من الحيوان والإنسان. ولو كانت قوية المقاومة أو طويلة العمر لدمرت الحياة والأحياء