فهرس الكتاب

الصفحة 69 من 677

وهي قولة الأبد التي لا تتخصص بزمن ولا بيئة!

وقولة الحق التي لا تتعلق بظرف ولا حالة!

ومع استنكار الأصل، فقد أذن الله - سبحانه - بإتمام عهود ذوي العهود. الذين لم ينقصوا المسلمين شيئا ولم يظاهروا عليهم أحدا إلى مدتها، مع اشتراط أن تكون الاستقامة على العهد - في هذه المدة - من المسلمين مقيدة باستقامة ذوي العهود عليها:

إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام، فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم، إن الله يحب المتقين..

وهؤلاء الذين تشير الآية إلى معاهدتهم عند المسجد الحرام ليسوا طائفة أخرى غير التي ورد ذكرها من قبل في قوله تعالى:

إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم، إن الله يحب المتقين..

كما فهم بعض المفسرين المحدثين..

فهي طائفة واحدة ذكرت أول مرة بمناسبة عموم البراءة وإطلاقها، لاستثنائها من هذا العموم. وذكرت مرة ثانية بمناسبة استنكار مبدأ التعاهد ذاته مع المشركين مخافة أن يظن أن هذا الحكم المطلق فيه نسخ للحكم الأول.. وذكرت التقوى وحب الله للمتقين هنا وهناك بنصها للدلالة على أن الموضوع واحد. كما أن النص الثاني مكمل للشروط المذكورة في النص الأول. ففي الأول اشتراط استقامتهم في الماضي، وفي الثاني اشتراط استقامتهم في المستقبل. وهي دقة بالغة في صياغة النصوص - كما أسلفنا - لا تلحظ إلا بضم النصين الواردين في الموضوع الواحد، كما هو ظاهر ومتعين. ثم يعود لاستنكار مبدأ التعاهد بأسبابه التاريخية والواقعية؛ بعد استنكاره بأسبابه العقيدية والإيمانية؛ ويجمع بين هذه وتلك في الآيات التالية:

كيف؟

وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة، يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون، اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا فصدوا عن سبيله، إنهم ساء ما كانوا يعملون. لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة، وأولئك هم المعتدون..

كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله، وهم لا يعاهدونكم إلا في حال عجزهم عن التغلب عليكم. ولو ظهروا عليكم وغلبوكم لفعلوا بكم الأفاعيل في غير مراعاة لعهد قائم بينهم وبينكم، وفي غير ذمة يرعونها لكم؛ أو في غير تحرج ولا تذمم من فعل يأتونه معكم! فهم لا يرعون عهدا، ولا يقفون كذلك عند حد في التنكيل بكم؛ ولا حتى الحدود المتعارف عليها في البيئة والتي يذمون لو تجاوزوها. فهم لشدة ما يكنونه لكم من البغضاء يتجاوزون كل حد في التنكيل بكم، لو أنهم قدروا عليكم. مهما يكن بينكم وبينهم من عهود قائمة. فليس الذي يمنعهم من أي فعل شائن معكم أن تكون بينكم وبينهم عهود؛ إنما يمنعهم أنهم لا يقدرون عليكم ولا يغلبونكم!..

وإذا كانوا اليوم - وأنتم أقوياء - يرضونكم بأفواههم بالقول اللين والتظاهر بالوفاء بالعهد. فإن قلوبهم تنغل عليكم بالحقد؛ وتأبى أن تقيم على العهد؛ فما بهم من وفاء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت