فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 1045

كلمات يقولها الله - سبحانه - لرسوله صلى الله عليه وسلم. . كلمات للذكرى , وللتسرية وللمواساة , والتأسية. . وهي ترسم للدعاة إلى الله من بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم طريقهم واضحا , ودورهم محددا , كما ترسم لهم متاعب الطريق وعقباته , ثم ما ينتظرهم بعد ذلك كله في نهاية الطريق. . .

إنها تعلمهم أن سنة الله في الدعوات واحدة. كما انها كذلك وحدة. وحدة لا تتجزأ. . دعوة تتلقاها الكثرة بالتكذيب , وتتلقى أصحابها بالأذى. . وصبر من الدعاة على التكذيب وصبر كذلك على الأذى. . وسنة تجري بالنصر في النهاية. . ولكنها تجيء في موعدها. لا يعجلها عن هذا الموعد أن الدعاة الأبرياء الطيبين المخلصين يتلقون الأذى والتكذيب , ولا أن المجرمين الضالين والمضلين يقدرون على أذى المخلصين الأبرياء الطيبين! ولا يعجلها كذلك عن موعدها أن صاحب الدعوة المخلص المتجرد من ذاته ومن شهواته إنما يرغب في هداية قومه حبا في هدايتهم , ويأسى على ما هم فيه من ضلال وشقوة , وعلى ما ينتظرهم من دمار وعذاب في الدنيا والأخرة. . لا يعجلها عن موعدها شيء من ذلك كله. فإن الله لا يعجل لعجلة أحد من خلقه. ولا مبدل لكلماته. سواء تعلقت هذه الكلمات بالنصر المحتوم , أم تعلقت بالأجل المرسوم.

إنه الجد الصارم , والحسم الجازم , إلى جانب التطمين والتسرية والمواساة والتسلية. .

ثم يبلغ الجد الصارم مداه , في مواجهة ما عساه يعتمل في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرغبة البشرية , المشتاقة إلى هداية قومه , المتطلعة إلى الاستجابة لما يطلبونه من آية لعلهم يهتدون. وهي الرغبة التي كانت تجيش في صدور بعض المسلمين في ذلك الحين , والتي تشير إليها آيات أخرى في السورة آتية في السياق. وهي رغبة بشرية طبيعية. ولكن في صدد الحسم في طبيعة هذه الدعوة ومنهجها ودور الرسل فيها , ودور الناس أجمعين , تجيء تلك المواجهة الشديدة في القرآن الكريم:

(وإن كان كبر عليك إعراضهم , فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض , أو سلما في السماء , فتأتيهم بآية! ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين. إنما يستجيب الذين يسمعون. والموتى يبعثهم الله , ثم إليه يرجعون) . .

وإنه للهول الهائل ينسكب من خلال الكلمات الجليلة. . وما يملك الإنسان إن يدرك حقيقة هذا الأمر , إلا حين يستحضر في كيانه كله: أن هذه الكلمات موجهة من رب العالمين إلى نبيه الكريم. . النبي الصابر من أولي العزم من الرسل. . الذي لقي ما لقي من قومه صابرا محتسبا , لم يدع عليهم دعوة نوح - عليه السلام - وقد لقي منهم سنوات طويلة , ما يذهب بحلم الحليم!

.. تلك سنتنا - يا محمد - فإن كان قد كبر عليك إعراضهم , وشق عليك تكذيبهم , وكنت ترغب في إتيانهم بآية. .

إذن. . فإن استطعت فابتغ لك نفقا في الأرض أو سلما في السماء , فأتهم بآية!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت