إن هداهم لا يتوقف على أن تأتيهم بآية. فليس الذي ينقص هو الآية التي تدلهم على الحق فيما تقول. . ولو شاء الله لجمعهم على الهدى: إما بتكوين فطرتهم من الأصل على أن لا تعرف سوى الهدى - كالملائكة - وإما بتوجيه قلوبهم وجعلها قادرة على استقبال هذا الهدى والاستجابة إليه. وإما بإظهار خارقة تلوي أعناقهم جميعا. وإما بغير هذه من الوسائل وكلها يقدر الله عليها.
ولكنه سبحانه - لحكمته العليا الشاملة في الوجود كله - خلق هذا الخلق المسمى بالإنسان , لوظيفة معينة , تقتضي - في تدبيره العلوي الشامل - أن تكون له استعدادات معينة غير استعدادات الملائكة. من بينها التنوع في الاستعدادات , والتنوع في استقبال دلائل الهدى وموحيات الإيمان , والتنوع في الاستجابة لهذه الدلائل والموحيات. في حدود من القدرة على الاتجاه , بالقدر الذي يكون عدلا معه تنوع الجزاء على الهدى والضلال. .
لذلك لم يجمعهم الله على الهدى بأمر تكويني من عنده , ولكنه أمرهم بالهدى وترك لهم اختيار الطاعة أو المعصية , وتلقي الجزاء العادل في نهاية المطاف. . فأعلم ذلك ولا تكن مما يجهلونه.
(ولو شاء الله لجمعهم على الهدى. فلا تكونن من الجاهلين) .
يا لهول الكلمة! ويا لحسم التوجيه! ولكنه المقام الذي يقتضي هول الكلمة وحسم التوجيه. .
وبعد ذلك بيان للفطرة التي فطر الله الناس عليها , ولمواقفهم المختلفة في مواجهة الهدى , الذي لا تنقصه البينة ولا ينقصه الدليل:
(إنما يستجيب الذين يسمعون. والموتى يبعثهم الله. ثم إليه يرجعون) . .
إن الناس يواجهون هذا الحق الذي جاءهم به الرسول من عند الله وهم فريقان:
فريق حي , أجهزة الاستقبال الفطرية فيه حية , عاملة , مفتوحة. . وهؤلاء يستجيبون للهدى. فهو من القوة والوضوح والاصطلاح مع الفطرة والتلاقي معها إلى الحد الذي يكفي أن تسمعه , فتستجيب له: (إنما يستجيب الذين يسمعون) . .
وفريق ميت , معطل الفطرة , لا يسمع ولا يستقبل , ومن ثم لا يتأثر ولا يستجيب. . ليس الذي ينقصه أن هذا الحق لا يحمل دليله - فدليله كامن فيه , ومتى بلغ إلى الفطرة وجدت فيها مصداقه , فاستجابت إليه حتما - إنما الذي ينقص هذا الفريق من الناس هو حياة الفطرة , وقيام أجهزة الاستقبال فيها بمجرد التلقي! وهؤلاء لا حيلة فيهم للرسول , ولا مجال معهم للبرهان. إنما يتعلق أمرهم بمشيئة الله. إن شاء بعثهم إن علم منهم ما يستحق أن يحييهم , وإن شاء لم يبعثهم في هذه الحياة الدنيا , وبقوا أمواتا بالحياة حتى يرجعوا إليه في الآخرة.
(والموتى يبعثهم الله. ثم إليه يرجعون) . .
هذه هي قصة الاستجابة وعدم الاستجابة! تكشف حقيقة الموقف كله , وتحدد واجب الرسول وعمله , وتترك الأمر كله لصاحب الأمر يقضي فيه بما يريد.