وتنقذ! وحبل الله وهو يمتد ويعصم. وصورة النجاة والخلاص بعد الخطر والترقب! وهو مشهد متحرك حي تتبعه القلوب واجفة خافقة , وتكاد العيون تتملاه من وراء الأجيال!
وقد ذكر محمد بن إسحاق في السيرة وغيره أن هذه الآية نزلت في شأن الأوس والخزرج. وذلك أن رجلا من اليهود مر بملأ من الأوس والخزرج , فساءه ما هم عليه من الاتفاق والألفة , فبعث رجلا معه , وأمره أن يجلس بينهم , ويذكر لهم ما كان من حروبهم يوم"بعاث"! وتلك الحروب. ففعل. فلم يزل ذلك دأبه حتى حميت نفوس القوم , وغضب بعضهم على بعض , وتثاوروا , ونادوا بشعارهم. وطلبوا أسلحتهم. وتوعدوا إلى"الحرة". . فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأتاهم , فجعل يسكنهم , ويقول:"أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم"وتلا عليهم هذه الآية , فندموا على ما كان منهم , واصطلحوا وتعانقوا وألقوا السلاح رضي الله عنهم
وكذلك بين الله لهم فاهتدوا , وحق فيهم قول الله سبحانه في التعقيب في الآية:
(كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون) .
فهذه صورة من جهد يهود لتقطيع حبل الله بين المتحابين فيه , القائمين على منهجه , لقيادة البشرية في طريقه. . هذه صورة من ذلك الكيد الذي تكيده يهود دائما للجماعة المسلمة , كلما تجمعت على منهج الله واعتصمت بحبله. وهذه ثمرة من ثمار طاعة أهل الكتاب. كادت ترد المسلمين الأولين كفارا يضرب بعضهم رقاب بعض. وتقطع بينهم حبل الله المتين , الذي يتآخون فيه مجتمعين. وهذه صلة هذه الآية بالآيات قبلها في هذا السياق.
على أن مدلول الآية أوسع مدى من هذه الحادثة. فهي تشي - مع ما قبلها في السياق وما بعدها - بأنه كانت هناك حركة دائبة من اليهود لتمزيق شمل الصف المسلم في المدينة , وإثارة الفتنة والفرقة بكل الوسائل. والتحذيرات القرآنية المتوالية من إطاعة أهل الكتاب , ومن الاستماع إلى كيدهم ودسهم , ومن التفرق كما تفرقوا. . هذه التحذيرات تشي بشدة ما كانت تلقاه الجماعة المسلمة من كيد اليهود في المدينة , ومن بذرهم لبذور الشقاق والشك والبلبلة باستمرار. . وهو دأب يهود في كل زمان. وهو عملها اليوم وغدا في الصف المسلم , في كل مكان!
فأما وظيفة الجماعة المسلمة التي تقوم على هاتين الركيزتين لكي تنهض بها. . هذه الوظيفة الضرورية لإقامة منهج الله في الأرض , ولتغليب الحق على الباطل , والمعروف على المنكر , والخير على الشر. . هذه الوظيفة التي من أجلها أنشئت الجماعة المسلمة بيد الله وعلى عينه , ووفق منهجه. . فهي التي تقررها الآية التالية:
(ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير , ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر , وأولئك هم المفلحون) .
فلا بد من جماعة تدعو إلى الخير , وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر. لا بد من سلطة في الأرض تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر. والذي يقرر أنه لا بد من سلطة هو مدلول النص القرآني