ذاته. فهناك"دعوة"إلى الخير. ولكن هناك كذلك"أمر"بالمعروف. وهناك"نهي"عن المنكر. وإذا أمكن أن يقوم بالدعوة غير ذي سلطان , فإن"الأمر والنهي"لا يقوم بهما إلا ذو سلطان. .
هذا هو تصور الإسلام للمسألة. . إنه لا بد من سلطة تأمر وتنهى. . سلطة تقوم على الدعوة إلى الخير والنهي عن الشر. . سلطة تتجمع وحداتها وترتبط بحبل الله وحبل الأخوة في الله. . سلطة تقوم على هاتين الركيزتين مجتمعتين لتحقيق منهج الله في حياة البشر. . وتحقيق هذا المنهج يقتضي"دعوة"إلى الخير يعرف منها الناس حقيقة هذا المنهج. ويقتضي سلطة"تأمر"بالمعروف"وتنهى"عن المنكر. . فتطاع. . والله يقول: (وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله) . . فمنهج الله في الأرض ليس مجرد وعظ وإرشاد وبيان. فهذا شطر. أما الشطر الآخر فهو القيام بسلطة الأمر والنهي , على تحقيق المعروف ونفي المنكر من الحياة البشرية , وصيانة تقاليد الجماعة الخيرة من أن يعبث بها كل ذي هوى وكل ذي شهوة وكل ذي مصلحة , وضمانة هذه التقاليد الصالحة من أن يقول فيها كل امرئ برأيه وبتصوره , زاعما أن هذا هو الخير والمعروف والصواب!
والدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - من ثم - تكليف ليس بالهين ولا باليسير , إذا نظرنا إلى طبيعته , وإلى اصطدامه بشهوات الناس ونزواتهم , ومصالح بعضهم ومنافعهم , وغرور بعضهم وكبريائهم. وفيهم الجبار الغاشم. وفيهم الحاكم المتسلط. وفيهم الهابط الذي يكره الصعود. وفيهم المسترخي الذي يكره الاشتداد. وفيهم المنحل الذي يكره الجد. وفيهم الظالم الذي يكره العدل. وفيهم المنحرف الذي يكره الاستقامة. . وفيهم وفيهم ممن ينكرون المعروف , ويعرفون المنكر. ولا تفلح الأمة , ولا تفلح البشرية , إلا أن يسود الخير , وإلا أن يكون المعروف معروفا , والمنكر منكرا. . وهذا ما يقتضي سلطة للخير وللمعروف تأمر وتنهى. . وتطاع. .
ومن ثم فلا بد من جماعة تتلاقى على هاتين الركيزتين: الإيمان بالله والأخوة في الله. لتقوم على هذا الأمر العسير الشاق بقوة الإيمان والتقوى ثم بقوة الحب والألفة , وكلتاهما ضرورة من ضرورات هذا الدور الذي ناطه الله بالجماعة المسلمة , وكلفها به هذا التكليف. وجعل القيام به شريطة الفلاح. فقال عن الذين ينهضون به:
(وأولئك هم المفلحون) . .
إن قيام هذه الجماعة ضرورة من ضرورات المنهج الإلهي ذاته. فهذه الجماعة هي الوسط الذي يتنفس فيه هذا المنهج ويتحقق في صورته الواقعية. هو الوسط الخير المتكافل المتعاون على دعوة الخير. المعروف فيه هو الخير والفضيلة والحق والعدل. والمنكر فيه هو الشر والرذيلة والباطل والظلم. . عمل الخير فيه أيسر من عمل الشر. والفضيلة فيه أقل تكاليف من الرذيلة. والحق فيه أقوى من الباطل. والعدل فيه أنفع من الظلم. . فاعل الخير فيه يجد على الخير اعوانا. وصانع الشر فيه يجد مقاومة وخذلانا. . ومن هنا قيمة هذا التجمع. .