منهم ولكن ليبلوا بعضكم ببعض, والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم سيهديهم ويصلح بالهم ويدخلهم الجنة عرفها لهم وقال تعالى: {قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين, ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء والله عليم حكيم} وقال: {أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة والله خبير بما تعلمون} وقال: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين} وقال: {ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم} والاَيات في هذا كثيرة.
ولهذا قال ابن عباس في قوله: {وإن الله على نصرهم لقدير} وقد فعل, وإنما شرع تعالى الجهاد في الوقت الأليق به, لأنهم لما كانوا بمكة كان المشركون أكثر عددًا فلو أمر المسلمين وهم أقل من العشر بقتال الباقين لشق عليهم, ولهذا لما بايع أهل يثرب ليلة العقبة رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم. وكانوا نيفًا وثمانين, قالوا: يا رسول الله ألا نميل على أهل الوادي, يعنون أهل منى, ليالي منى فنقتلهم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم: «إني لم أومر بهذا» فلما بغى المشركون وأخرجوا النبي صلى الله عليه وسلم من بين أظهرهم وهموا بقتله, وشردوا أصحابه شذر مذر, فذهب منهم طائفة إلى الحبشة وآخرون إلى المدينة, فلما استقروا بالمدينة ووافاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم واجتمعوا عليه, وقاموا بنصره وصارت لهم دار إسلام ومعقلًا يلجئون إليه, شرع الله جهاد الأعداء, فكانت هذه الاَية أول ما نزل في ذلك, فقال تعالى: {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير * الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق} قال العوفي عن ابن عباس: أخرجوا من مكة إلى المدينة بغير حق, يعني محمدًا وأصحابه {إلا أن يقولوا ربنا الله} أي ما كان لهم إلى قومهم إساءة, ولا كان لهم ذنب إلا أنهم وحدوا الله وعبدوه لا شريك له, وهذا استثناء منقطع بالنسبة إلى ما في نفس الأمر, وأما عند المشركين فإنه أكبر الذنوب, كما قال تعالى: {يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم} وقال تعالى في قصة أصحاب الأخدود: {وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيزالحميد} ولهذا لما كان المسلمون يرتجزون في بناء الخندق ويقولون:
اللهم لولا أنت ما اهتديناولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينة عليناوثبت الأقدام إن لاقينا
إن الألى قد بغوا عليناإذا أرادوا فتنة أبينا
فيوافقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول معهم آخر كل قافية, فإذا قالوا: * إذا أرادوا فتنة أبينا * يقول: أبينا يمد بها صوته, ثم قال تعالى: {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض} أي لولا أنه يدفع بقوم عن قوم, ويكف شرور أناس عن غيرهم بما يخلقه ويقدره من الأسباب, لفسدت الأرض ولأهلك القوي الضعيف {لهدمت صوامع} وهي المعابد الصغار للرهبان, قاله ابن عباس ومجاهد وأبو العالية وعكرمة والضحاك وغيرهم. وقال قتادة: هي معابد الصابئين, وفي رواية عنه: صوامع المجوس, وقال مقاتل بن حيان: هي البيوت التي على الطرق {وبيع} وهي أوسع منها, وأكثر عابدين فيها, وهي للنصارى أيضًا, قاله أبو العالية وقتادة