غَيْرُهُ بِالصَّوَابِ , وَيَظْفَرُ فِيهَا بِالْهُدَى مِنْ بَعْدِهِمْ , وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. الْوَجْهُ الْحَادِيَ عَشَرَ: قوله تعالى {: وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاَللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِالْآيَةِ أَنَّهُ تَعَالَى أَخْبَرَ عَنْ الْمُعْتَصِمِينَ بِهِ بِأَنَّهُمْ قَدْ هُدُوا إلَى الْحَقِّ ; فَنَقُولُ: الصَّحَابَةُ رضوان الله عليهم مُعْتَصِمُونَ بِاَللَّهِ فَهُمْ مُهْتَدُونَ , فَاتِّبَاعُهُمْ وَاجِبٌ , أَمَّا الْمُقَدِّمَةُ الْأُولَى فَتَقْرِيرُهَا مِنْ وُجُوهٍ , أَحَدُهَا: قوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِاَللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} وَمَعْلُومٌ كَمَالُ تَوَلِّي اللَّهِ تَعَالَى لَهُمْ وَنَصْرُهُ إيَّاهُمْ أَتَمَّ نُصْرَةٍ , وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ اعْتَصِمُوا بِهِ أَتَمَّ اعْتِصَامٍ , فَهُمْ مَهْدِيُّونَ بِشَهَادَةِ الرَّبِّ لَهُمْ بِلَا شَكٍّ , وَاتِّبَاعُ الْمَهْدِيِّ وَاجِبٌ شَرْعًا وَعَقْلًا وَفِطْرَةً بِلَا شَكٍّ , وَمَا يَرِدُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مِنْ أَنَّ الْمُتَابَعَةَ لَا تَسْتَلْزِمُ الْمُتَابَعَةَ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِمْ فَقَدْ تَقَدَّمَ جَوَابُهُ. الْوَجْهُ الثَّانِي عَشَرَ: قوله تعالى عَنْ أَصْحَابِ مُوسَى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ جَعَلَهُمْ أَئِمَّةً يَاتَمُّ بِهِمْ مَنْ بَعْدَهُمْ لِصَبْرِهِمْ وَيَقِينِهِمْ ; إذْ بِالصَّبْرِ وَالْيَقِينِ تُنَالُ الْإِمَامَةُ فِي الدِّينِ فَإِنَّ الدَّاعِيَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى لَا يَتِمُّ لَهُ أَمْرُهُ إلَّا بِيَقِينِهِ لِلْحَقِّ الَّذِي يَدْعُو إلَيْهِ وَبَصِيرَتِهِ بِهِ وَصَبْرِهِ عَلَى تَنْفِيذِ الدَّعْوَةِ إلَى اللَّهِ بِاحْتِمَالِ مَشَاقِّ الدَّعْوَةِ وَكَفِّ النَّفْسِ عَمَّا يُوهِنُ عَزْمَهُ وَيُضْعِفُ إرَادَتَهُ , فَمَنْ كَانَ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ كَانَ مِنْ الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ يَهْدُونَ بِأَمْرِهِ تَعَالَى وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم أَحَقُّ , وَأَوْلَى بِهَذَا الْوَصْفِ مِنْ أَصْحَابِ مُوسَى , فَهُمْ أَكْمَلُ يَقِينًا , وَأَعْظَمُ صَبْرًا مِنْ جَمِيعِ الْأُمَمِ , فَهُمْ أَوْلَى بِمَنْصِبِ هَذِهِ الْإِمَامَةِ , وَهَذَا أَمْرٌ ثَابِتٌ بِلَا شَكٍّ بِشَهَادَةِ اللَّهِ لَهُمْ وَثَنَائِهِ عَلَيْهِمْ , وَشَهَادَةِ الرَّسُولِ لَهُمْ بِأَنَّهُمْ خَيْرُ الْقُرُونِ , وَأَنَّهُمْ خِيرَةُ اللَّهِ وَصَفْوَتُهُ , وَمِنْ الْمُحَالِ عَلَى مَنْ هَذَا شَانُهُمْ أَنْ يُخْطِئُوا كُلُّهُمْ الْحَقَّ , وَيَظْفَرَ بِهِ الْمُتَأَخِّرُونَ , وَلَوْ كَانَ هَذَا مُمْكِنًا لَانْقَلَبَتْ الْحَقَائِقُ , وَكَانَ الْمُتَأَخِّرُونَ أَئِمَّةً لَهُمْ يَجِبُ عَلَيْهِمْ الرُّجُوعُ إلَى فَتَاوِيهِمْ , وَأَقْوَالِهِمْ , وَهَذَا كَمَا أَنَّهُ مُحَالٌ حِسًّا وَعَقْلًا فَهُوَ مُحَالٌ شَرْعًا , وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. الْوَجْهُ الثَّالِثَ عَشَرَ: قوله تعالى {: وَاَلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إمَامًا} , وَإِمَامٌ بِمَعْنَى قُدْوَةٍ , وَهُوَ يَصْلُحُ لِلْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ كَالْأُمَّةِ وَالْأُسْوَةِ , وَقَدْ قِيلَ: هُوَ جَمْعُ آمِمٍ كَصَاحِبِ وَصِحَابٍ وَرَاجِلٍ وَرِجَالٍ وَتَاجِرٍ وَتُجَّارٍ , وَقِيلَ: هُوَ مَصْدَرٌ كَقِتَالٍ وَضِرَابٍ , أَيْ ذَوِي إمَامٍ , وَالصَّوَابُ الْوَجْهُ الْأَوَّلُ , فَكُلُّ مَنْ كَانَ مِنْ الْمُتَّقِينَ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَاتَمَّ بِهِمْ , وَالتَّقْوَى وَاجِبَةٌ , وَالِائْتِمَامُ بِهِمْ وَاجِبٌ , وَمُخَالَفَتُهُمْ فِيمَا أَفْتَوْا بِهِ مُخَالِفٌ لِلِائْتِمَامِ بِهِمْ , وَإِنْ قِيلَ"نَحْنُ نَاتَمُّ بِهِمْ فِي الِاسْتِدْلَالِ وَأُصُولِ الدِّينِ"فَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ جَوَابِ هَذَا مَا فِيهِ كِفَايَةٌ. الْوَجْهُ الرَّابِعَ عَشَرَ: مَا ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي الصَّحِيحِ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ أَنَّهُ قَالَ: {خَيْرُ الْقُرُونِ الْقَرْنُ الَّذِي بُعِثْت فِيهِمْ , ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ , ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ} فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنَّ خَيْرَ الْقُرُونِ قَرْنَهُ مُطْلَقًا , وَذَلِكَ يَقْتَضِي تَقْدِيمَهُمْ فِي كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْخَيْرِ , إلَّا لَوْ كَانُوا خَيْرًا مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ , فَلَا يَكُونُونَ خَيْرَ الْقُرُونِ مُطْلَقًا , فَلَوْ جَازَ أَنْ يُخْطِئَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ فِي حُكْمٍ وَسَائِرُهُمْ لَمْ يُفْتُوا بِالصَّوَابِ - , وَإِنَّمَا ظَفَرَ بِالصَّوَابِ مَنْ بَعْدَهُمْ , وَأَخْطَئُوا هُمْ - لَزِمَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْقَرْنُ خَيْرًا مِنْهُمْ مِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ ; لِأَنَّ الْقَرْنَ الْمُشْتَمِلَ عَلَى الصَّوَابِ خَيْرٌ مِنْ الْقَرْنِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى الْخَطَأِ فِي ذَلِكَ الْفَنِّ , ثُمَّ هَذَا يَتَعَدَّدُ فِي مَسَائِلَ عَدِيدَةٍ ; لِأَنَّ مَنْ يَقُولُ"قَوْلُ"