فهرس الكتاب

الصفحة 289 من 1045

الصَّحَابِيِّ لَيْسَ بِحُجَّةٍ"يَجُوزُ عِنْدَهُ أَنْ يَكُونَ مَنْ بَعْدَهُمْ أَصَابَ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ قَالَ فِيهَا الصَّحَابِيُّ قَوْلًا , وَلَمْ يُخَالِفْهُ صَحَابِيٌّ آخَرُ , وَفَاتَ هَذَا الصَّوَابُ الصَّحَابَةَ , وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا يَاتِي فِي مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ تَفُوقُ الْعَدَّ وَالْإِحْصَاءَ , فَكَيْفَ يَكُونُونَ خَيْرًا مِمَّنْ بَعْدَهُمْ وَقَدْ امْتَازَ الْقَرْنُ الَّذِي بَعْدَهُمْ بِالصَّوَابِ فِيمَا يَفُوقُ الْعَدَّ وَالْإِحْصَاءَ مِمَّا أَخْطَئُوا فِيهِ؟ وَمَعْلُومٌ أَنَّ فَضِيلَةَ الْعِلْمِ وَمَعْرِفَةَ الصَّوَابِ أَكْمَلُ الْفَضَائِلِ , وَأَشْرَفُهَا , فَيَا سُبْحَانَ اللَّهِ , أَيُّ وَصْمَةٍ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَكُونَ الصِّدِّيقُ أَوْ الْفَارُوقُ أَوْ عُثْمَانُ أَوْ عَلِيٌّ أَوْ ابْنُ مَسْعُودٍ أَوْ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ أَوْ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ , وَأَضْرَابُهُمْ رضي الله عنهم قَدْ أَخْبَرَ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ أَنَّهُ كَيْتَ وَكَيْتَ فِي مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ , وَأَخْطَأَ فِي ذَلِكَ , وَلَمْ يَشْتَمِلْ قَرْنُهُمْ عَلَى نَاطِقٍ بِالصَّوَابِ فِي تِلْكَ الْمَسَائِلِ حَتَّى تَبِعَ مَنْ بَعْدَهُمْ فَعَرَفُوا حُكْمَ اللَّهِ الَّذِي جَهِلَهُ أُولَئِكَ السَّادَةُ , وَأَصَابُوا الْحَقَّ الَّذِي أَخْطَأَهُ أُولَئِكَ الْأَئِمَّةُ؟ سُبْحَانَك هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ,. الْوَجْهُ الْخَامِسَ عَشَرَ: مَا رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: {صَلَّيْنَا الْمَغْرِبَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقُلْنَا: لَوْ جَلَسْنَا حَتَّى نُصَلِّيَ مَعَهُ الْعِشَاءَ , فَجَلَسْنَا , فَخَرَجَ عَلَيْنَا فَقَالَ: مَا زِلْتُمْ هَاهُنَا؟ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّيْنَا مَعَك الْمَغْرِبَ ثُمَّ قُلْنَا نَجْلِسُ حَتَّى نُصَلِّيَ مَعَك الْعِشَاءَ , قَالَ: أَحْسَنْتُمْ , وَأَصَبْتُمْ وَرَفَعَ رَاسَهُ إلَى السَّمَاءِ , وَكَانَ كَثِيرًا مَا يَرْفَعُ رَاسَهُ إلَى السَّمَاءِ , فَقَالَ النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ , فَإِذَا ذَهَبَتْ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ , وَأَنَا أَمَنَةٌ لِأَصْحَابِي , فَإِذَا ذَهَبْت أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ , وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي , فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ} وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِالْحَدِيثِ أَنَّهُ جَعَلَ نِسْبَةَ أَصْحَابِهِ إلَى مَنْ بَعْدَهُمْ كَنِسْبَتِهِ إلَى أَصْحَابِهِ , وَكَنِسْبَةِ النُّجُومِ إلَى السَّمَاءِ , وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ هَذَا التَّشْبِيهَ يُعْطِي مِنْ وُجُوبِ اهْتِدَاءِ الْأُمَّةِ بِهِمْ مَا هُوَ نَظِيرُ اهْتِدَائِهِمْ بِنَبِيِّهِمْ صلى الله عليه وسلم وَنَظِيرُ اهْتِدَاءِ أَهْلِ الْأَرْضِ بِالنُّجُومِ , وَأَيْضًا فَإِنَّهُ جَعَلَ بَقَاءَهُمْ بَيْنَ الْأُمَّةِ أَمَنَةً لَهُمْ , وَحِرْزًا مِنْ الشَّرِّ وَأَسْبَابِهِ , فَلَوْ جَازَ أَنْ يُخْطِئُوا فِيمَا أَفْتَوْا بِهِ وَيَظْفَرَ بِهِ مَنْ بَعْدَهُمْ لَكَانَ الظَّافِرُونَ بِالْحَقِّ أَمَنَةً لِلصَّحَابَةِ وَحِرْزًا لَهُمْ , وَهَذَا مِنْ الْمُحَالِ. الْوَجْهُ السَّادِسَ عَشَرَ: مَا رَوَاهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بَطَّةَ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ عَنْ أَنَسٍ [أَنَّهُ] قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: {إنَّ مَثَلَ أَصْحَابِي فِي أُمَّتِي كَمَثَلِ الْمِلْحِ فِي الطَّعَامِ , لَا يَصْلُحُ الطَّعَامُ إلَّا بِالْمِلْحِ} قَالَ الْحَسَنُ: قَدْ ذَهَبَ مِلْحُنَا فَكَيْفَ نَصْلُحُ؟ وَرَوَى ابْنُ بَطَّةَ أَيْضًا بِإِسْنَادَيْنِ إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَمَّنْ سَمِعَ الْحَسَنَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: {مَثَلُ أَصْحَابِي فِي النَّاسِ كَمَثَلِ الْمِلْحِ فِي الطَّعَامِ} ثُمَّ يَقُولُ الْحَسَنُ: هَيْهَاتَ , ذَهَبَ مِلْحُ الْقَوْمِ , وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجُعْفِيُّ عَنْ أَبِي مُوسَى يَعْنِي إسْرَائِيلَ - عَنْ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم {مَثَلُ أَصْحَابِي كَمَثَلِ الْمِلْحِ فِي الطَّعَامِ} قَالَ: يَقُولُ الْحَسَنُ: هَلْ يَطِيبُ الطَّعَامُ إلَّا بِالْمِلْحِ؟ وَيَقُولُ الْحَسَنُ: فَكَيْفَ بِقَوْمٍ ذَهَبَ مِلْحُهُمْ؟ وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَال أَنَّهُ شَبَّهَ أَصْحَابَهُ فِي صَلَاحِ دِينِ الْأُمَّةِ بِهِمْ بِالْمِلْحِ الَّذِي صَلَاحُ الطَّعَامِ بِهِ , فَلَوْ جَازَ أَنْ يُفْتُوا بِالْخَطَأِ وَلَا يَكُونُ فِي عَصْرِهِمْ مَنْ يُفْتِي بِالصَّوَابِ وَيَظْفَرُ بِهِ مَنْ بَعْدَهُمْ لَكَانَ مَنْ بَعْدَهُمْ مِلْحًا لَهُمْ , وَهَذَا مُحَالٌ. يُوَضِّحُهُ أَنَّ الْمِلْحَ كَمَا أَنَّ بِهِ صَلَاحَ الطَّعَامِ ; فَالصَّوَابُ بِهِ صَلَاحُ الْأَنَامِ , فَلَوْ أَخْطَئُوا فِيمَا أَفْتَوْا بِهِ لَاحْتَاجَ ذَلِكَ إلَى مِلْحٍ يُصْلِحُهُ , فَإِذَا أَفْتَى مَنْ بَعْدَهُمْ بِالْحَقِّ كَانَ قَدْ أَصْلَحَ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت