على لسانه يهتدى بها، ويهدى بها إلى طريق مرضاته؛ وهذا لأن الجزاء من جنس العمل؛ فإذا كان النظر إلى محبوب فتركه لله عوضه الله ما هو أحب إليه منه، وإذا كان النظر بنور العين مكروهًا أو إلى مكروه فتركه لله، أعطاه الله نورًا في قلبه وبصرًا يبصر به الحق. قال شاه الكرمانى: من غَضَّ بصره عن المحارم، وعَمَّرَ باطنهِ بِدوام المراقبة، وظاهره باتباع السنة، وعَوَّدَ نفسه أكل الحلال، وكَفَّ نفسه عن الشهوات، لم تخطئ له فراسة. وإذا صَلُحَ علم الرجل فعرف الحق وعمله واتبع الحق، صار زكيًا تقيًا مستوجبًا للجنة.
/ ويؤيد ذلك حديث أبى أمامة المشهور من رواية البغوى: حدثنا طالوت بن عَبَّادُ، حدثنا فَضَالة بن جبير، سمعت أبا أمامة يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (اكفلوا لى بست أكفل لكم الجنة: إذا حدث أحدكم فلا يكذب، وإذا اؤتمن فلا يخن، وإذا وعد فلا يخلف، غضوا أبصاركم، وكفوا أيديكم، واحفظوا فروجكم) . فقد كفل بالجنة لمن أتى بهذه الست خصال، فالثلاثة الأولى تبرئة من النفاق، والثلاثة الأخرى تبرئة من الفسوق، والمخاطبون مسلمون، فإذا لم يكن منافقًا كان مؤمنًا، وإذا لم يكن فاسقًا كان تقيًا فيستحق الجنة. ويوافق ذلك ما رواه ابن أبى الدنيا: حدثنا أبو سعيد المدنى، حدثنى عمر بن سهل المازنى، قال: حدثنى عمر بن محمد بن صُهْبَان، حدثنى صفوان بن سُلَىم، عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل عين باكية يوم القيامة إلا عينا غضت عن محارم الله، وعينا سهرت في سبيل الله، وعينا يخرج منها مثل رأس الذباب من خشية الله) .
وقوله سبحانه: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} [طه: 131] ، يتناول النظر إلى الأموال واللباس والصور وغير ذلك من متاع الدنيا: أما اللباس والصور فهما اللذان لا ينظر الله إليهما، كما في صحيح مسلم عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: / (إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم، وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) ، وقد قال تعالى: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا} [مريم: 74] ، وذلك أن الله يمتع بالصور كما يمتع بالأموال، وكلاهما من زهرة الحياة الدنيا، وكلاهما يفتن أهله وأصحابه، وربما أفضى به إلى الهلاك دنيا وأخرى.
والهلكى رجلان: فمستطيع وعاجز، فالعاجز: مفتون بالنظر ومد العين إليه، والمستطيع: مفتون فيما أوتى منه، غارق قد أحاط به ما لا يستطيع إنقاذ نفسه منه. وهذا المنظور قد يعجب المؤمن وإن كان المنظور منافقًا أو فاسقًا كما يعجبه المسموع منهم، قال تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ} [المنافقون: 4] ، فهذا تحذير من الله ـ تعالى ـ من النظر إليهم واستماع قولهم، فلا ينظر إليهم ولا يسمع قولهم، فإن الله ـ سبحانه ـ قد أخبر أن رؤياهم تعجب الناظرين إليهم، وأن قولهم يعجب السامعين.
ثم أخبر عن فساد قلوبهم وأعمالهم بقوله: {كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ} ، فهذا مثل قلوبهم وأعمالهم، وقال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} الآية [البقرة: 204] ، وقد قال تعالى في قصة قوم لوط: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ} [الحجر: 75] ، والتوسم من السمة، وهى العلامة، فأخبر / ـ سبحانه ـ أنه جعل عقوبات المعتدين آيات للمتوسمين. وفى الترمذى عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله) ثم قرأ: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ} . فدل ذلك على أن من اعتبر بما عاقب الله به غيره من أهل الفواحش كان من المتوسمين.
وأخبر ـ تعالى ـ عن اللوطية أنه طمس أبصارهم، فكانت عقوبة أهل الفواحش طمس الأبصار، كما قد عرف ذلك فيهم وشوهد منهم، وكان ثواب المعتبرين بهم التاركين لأفعالهم إعطاء الأنوار، وهذا مناسب لذكر آية النور عقيب غض الأبصار. وأما القدرة والقوة التى يعطيها الله لمن اتقاه وخالف هواه فذلك حاصل معروف، كما جاء: إن الذى يترك هواه يفرق الشيطان من ظله. وفى الصحيح أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذى يملك نفسه عند الغضب) وفى رواية: أنه مر بقوم يخذفون حجرًا، فقال: (ليس الشدة في هذا، وإنما الشدة في أن يمتلئ أحدكم غيظًا ثم يكظمه لله) أو كما قال.