فهرس الكتاب

الصفحة 296 من 1045

وهذا ذكره في الغضب؛ لأنه معتاد لبنى آدم كثيرًا، ويظهر للناس. وسلطان الشهوة يكون في الغالب مستورًا عن أعين الناس، وشيطانها خاف، ويمكن في كثير من الأوقات الاعتياض بالحلال عن / الحرام، وإلا فالشهوة إذا اشتعلت واستولت قد تكون أقوى من الغضب، وقد قال تعالى: {وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا} [النساء: 28] ، أى: ضعىفا عن النساء لا يصبر عنهن، وفى قوله {رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ} [البقرة: 286] ، ذكروا منه العشق، والعشق يفضى بأهله إلى الأمراض والإهلاك، وإن كان الغضب قد يبلغ ذلك ـ أيضًا ـ وقد دل القرآن على أن القوة والعزة لأهل الطاعة التائبين إلى الله في مواضع كثيرة، كقوله في سورة هود: {وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ} [هود: 52] ،وقوله: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [المنافقون: 8] ، {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [آل عمران: 139] .

وإذا كان الذى قد يهجر السيئات يغض بصره ويحفظ فرجه وغير ذلك مما نهى الله عنه، يجعل الله له من النور والعلم والقوة والعزة ومحبة الله ورسوله، فما ظنك بالذى لم يَحُمْ حول السيئات، ولم يُعِرْها طرفه قط ولم تحدثه نفسه بها؟! بل هو يجاهد في سبيل الله أهلها ليتركوا السيئات فهل هذا وذاك سواء؟ بل هذا له من النور والإيمان والعزة والقوة والمحبة والسلطان والنجاة في الدنيا والآخرة أضعاف أضعاف ذاك، وحاله أعظم وأعلى، ونوره أتم وأقوى، فإن السيئات تهواها النفوس، ويزينها الشيطان، فتجتمع فيها الشبهات والشهوات.

فإذا كان المؤمن قد حبب الله إليه الإيمان وزينه في قلبه، وكَرَّه / إليه الكفر والفسوق والعصيان حتى يعوض عن شهوات الغى بحب الله ورسوله وما يتبع ذلك، وعن الشهوات والشبهات بالنور والهدى، وأعطاه الله من القوة والقدرة ما أيده به، حيث دفع بالعلم الجهل، وبإرادة الحسنات إرادة السيئات، وبالقوة على الخير القوة على الشر في نفسه فقط، والمجاهد في سبيل الله يطلب فعل ذلك في نفسه وغيره ـ أيضًا ـ حتى يدفع جهله بالظلم، وإرادته السيئات بإرادة الحسنات ونحو ذلك.

والجهاد تمام الإيمان وسنام العمل، كما قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحجرات: 15] ، وقال: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} الآية [آل عمران: 110] ، وقال: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ} الآية [التوبة: 19] ، فكذلك يكون هذا الجزاء في حق المجاهدين، كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: 69] ، فهذا في العلم والنور، وقال: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ} إلى قوله: {صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا} [النساء: 66 ـ 68] ، فقتل النفوس هو قتل بعضهم بعضًا، وهو من الجهاد، والخروج من ديارهم هو الهجرة، ثم أخبر أنهم إذا فعلوا ما يوعظون به من الهجرة والجهاد كان خيرًا لهم وأشد تثبيتًا، ففى الآية أربعة أمور: الخير المطلق، والتثبيت المتضمن للقوة والمكنة، والأجر العظيم، وهداية الصراط المستقيم. وقال تعالى: {إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: 7] ، وقال: {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ} إلى قوله: {عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} [الحج: 40، 41] وقال: {يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ} [المائدة: 54] .

وأما أهل الفواحش الذين لا يغضون أبصارهم ولا يحفظون فروجهم، فقد وصفهم الله بضد ذلك: من السكرة، والعمه، والجهالة، وعدم العقل، وعدم الرشد، والبغض، وطمس الأبصار، هذا مع ما وصفهم به من الخبث، والفسوق، والعدوان، والإسراف، والسوء، والفحش، والفساد، والإجرام، فقال عن قوم لوط: {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} [النمل: 55] ، فوصفهم بالجهل، وقال {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} [الحجر: 72] ، وقال: {أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ} [هود: 78] ، وقال: {فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ} [القمر: 37] ، وقال: {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ} [الأعراف: 81] ، وقال: {فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ} [النمل: 69] ، وقال: {إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ} [الأنبياء: 74] ، وقال: أَئِنَّكُمْ لَتَاتُونَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت