وهو رب رحيم ودود. منعم وهاب. غافر الذنب وقابل التوب. يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء. فالمسلم في كنفه آمن آنس , سالم غانم , مرحوم إذا ضعف , مغفور له متى تاب. .
وهكذا يمضي المسلم مع صفات ربه التي يعرفه بها الإسلام ; فيجد في كل صفة ما يؤنس قلبه , وما يطمئن روحه , وما يضمن معه الحماية والوقاية والعطف والرحمة والعزة والمنعة والاستقرار والسلام.
كذلك يفيض السلام على قلب المسلم من صحة تصور العلاقة بين العبد والرب. وبين الخالق والكون. وبين الكون والإنسان. . فالله خلق هذا الكون بالحق ; وخلق كل شيء فيه بقدر وحكمة. وهذا الإنسان مخلوق قصدا , وغير متروك سدى , ومهيأ له كل الظروف الكونية المناسبة لوجوده , ومسخر له ما في الأرض جميعا. وهو كريم على الله , وهو خليفته في أرضه. والله معينه على هذه الخلافة. والكون من حوله صديق مأنوس , تتجاوب روحه مع روحه , حين يتجه كلاهما إلى الله ربه. وهو مدعو إلى هذا المهرجان الإلهي المقام في السماوات والأرض ليتملاه ويأنس به. وهو مدعو للتعاطف مع كل شيء ومع كل حي في هذا الوجودالكبير , الذي يعج بالأصدقاء المدعوين مثله إلى ذلك المهرجان! والذي يؤلفون كلهم هذا المهرجان!
والعقيدة التي تقف صاحبها أمام النبتة الصغيرة , وهي توحي إليه أن له أجرا حين يرويها من عطش , وحين يعينها على النماء , وحين يزيل من طريقها العقبات. . هي عقيدة جميلة فوق أنها عقيدة كريمة. عقيدة تسكب في روحه السلام ; وتطلقه يعانق الوجود كله ويعانق كل موجود ; ويشيع من حوله الأمن والرفق , والحب والسلام.
والاعتقاد بالآخرة يؤدي دوره الأساسي في إفاضة السلام على روح المؤمن وعالمه ; ونفي القلق والسخط والقنوط. . إن الحساب الختامي ليس في هذه الأرض ; والجزاء الأوفى ليس في هذه العاجلة. . إن الحساب الختامي هناك ; والعدالة المطلقة مضمونة في هذا الحساب. فلا ندم على الخير والجهاد في سبيله إذا لم يتحقق في الأرض أو لم يلق جزاءه. ولا قلق على الأجر إذا لم يوف في هذه العاجلة بمقاييس الناس , فسوف يوفاه بميزان الله. ولا قنوط من العدل إذا توزعت الحظوظ في الرحلة القصيرة على غير ما يريد , فالعدل لا بد واقع. وما الله يريد ظلما للعباد.
والاعتقاد بالآخرة حاجز كذلك دون الصراع المجنون المحموم الذي تداس فيه القيم وتداس فيه الحرمات. بلا تحرج ولا حياء. فهناك الآخرة فيها عطاء , وفيها غناء , وفيها عوض عما يفوت. وهذا التصور من شأنه أن يفيض السلام على مجال السباق والمنافسة ; وأن يخلع التجمل على حركات المتسابقين ; وأن يخفف السعار الذي ينطلق من الشعور بأن الفرصة الوحيدة المتاحة هي فرصة هذا العمر القصير المحدود!
ومعرفة المؤمن بأن غاية الوجود الإنساني هي العبادة , وأنه مخلوق ليعبد الله. . من شأنها - ولا شك - أن ترفعه إلى هذا الأفق الوضيء. ترفع شعوره وضميره , وترفع نشاطه وعمله , وتنظف وسائله وأدواته. فهو يريد العبادة بنشاطه وعمله ; وهو يريد العبادة بكسبه وإنفاقه ; وهو يريد العبادة بالخلافة في الأرض