وتحقيق منهج الله فيها. فأولى به ألا يغدر ولا يفجر ; وأولى به ألا يغش ولا يخدع ; وأولى به ألا يطغى ولا يتجبر ; وأولى به ألا يستخدم أداة مدنسة ولا وسيلة خسيسة. وأولى به كذلك ألا يستعجل المراحل , وألا يعتسف الطريق , وألا يركب الصعب من الأمور. فهو بالغ هدفه من العبادة بالنية الخالصة والعمل الدائب في حدود الطاقة. . ومن شأن هذا كله ألا تثور في نفسه المخاوف والمطامع , وألا يستبد به القلق في أية مرحلة من مراحل الطريق. فهو يعبد في كل خطوة ; وهو يحقق غاية وجوده في كل خطرة , وهو يرتقي صعدا إلى الله في كل نشاط وفي كل مجال.
وشعور المؤمن بأنه يمضي مع قدر الله , في طاعة الله , لتحقيق إرادة الله. . وما يسكبه هذا الشعور في روحه من الطمأنينة والسلام والاستقرار ; والمضي في الطريق بلا حيرة ولا قلق ولا سخط على العقبات والمشاق ; وبلا قنوط من عون الله ومدده ; وبلا خوف من ضلال القصد أو ضياع الجزاء. . ومن ثم يحس بالسلام في روحه حتى وهو يقاتل أعداء الله وأعداءه. فهو إنما يقاتل لله , وفي سبيل الله , ولإعلاء كلمة الله ; ولا يقاتل لجاه أو مغنم أو نزوة أو عرض ما من أعراض هذه الحياة.
كذلك شعوره بأنه يمضي على سنة الله مع هذا الكون كله. قانونه قانونه , ووجهته وجهته. فلا صدام ولا خصام , ولا تبديد للجهد ولا بعثرة للطاقة. وقوى الكون كله تتجمع إلى قوته , وتهتدي بالنور الذي يهتدي به , وتتجه إلى الله وهو معها يتجه إلى الله.
والتكاليف التي يفرضها الإسلام على المسلم كلها من الفطرة ولتصحيح الفطرة. لا تتجاوز الطاقة ; ولاتتجاهل طبيعة الإنسان وتركيبه ; ولا تهمل طاقة واحدة من طاقاته لا تطلقها للعمل والبناء والنماء ; ولا تنسى حاجة واحدة من حاجات تكوينه الجثماني والروحي لا تلبيها في يسر وفي سماحة وفي رخاء. . ومن ثم لا يحار ولا يقلق في مواجهة تكاليفه. يحمل منها ما يطيق حمله , ويمضي في الطريق إلى الله في طمأنينة وروح وسلام.
والمجتمع الذي ينشئه هذا المنهج الرباني , في ظل النظام الذي ينبثق من هذه العقيدة الجميلة الكريمة , والضمانات التي يحيط بها النفس والعرض والمال. . كلها مما يشيع السلم وينشر روح السلام.
هذا المجتمع المتواد المتحاب المترابط المتضامن المتكافل المتناسق. هذا المجتمع الذي حققه الإسلام مرة في أرقى وأصفى صوره. ثم ظل يحققه في صور شتى على توالي الحقب , تختلف درجة صفائه , ولكنه يظل في جملته خيرا من كل مجتمع آخر صاغته الجاهلية في الماضي والحاضر , وكل مجتمع لوثته هذه الجاهلية بتصوراتها ونظمها الأرضية!
هذا المجتمع الذي تربطه آصرة واحدة - آصرة العقيدة - حيث تذوب فيها الأجناس والأوطان , واللغات والألوان , وسائر هذه الأواصر العرضية التي لا علاقة لها بجوهر الإنسان. .