فهرس الكتاب

الصفحة 439 من 1045

وكذلك ثبت عن النبى صلى الله عليه وسلم من عشرة أوجه الحديث عن الخوارج، وأخبر أنهم شر الخلق والخليقة، مع قوله: (تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم) ، فعلم أن مجرد الاعتصام بالإسلام مع عدم التزام شرائعه ليس بمسقط للقتال. فالقتال واجب حتى يكون الدين كله لله وحتى لا تكون فتنة، فمتى كان الدين لغير الله /فالقتال واجب.

فأيما طائفة امتنعت من بعض الصلوات المفروضات، أو الصيام، أو الحج، أو عن التزام تحريم الدماء، والأموال، والخمر، والزنا، والميسر، أو عن نكاح ذوات المحارم، أو عن التزام جهاد الكفار، أو ضرب الجزية على أهل الكتاب، وغير ذلك من واجبات الدين ومحرماته ـ التى لا عذر لأحد في جحودها وتركها ـ التى يكفر الجاحد لوجوبها، فإن الطائفة الممتنعة تقاتل عليها وإن كانت مقرة بها. وهذا مما لا أعلم فيه خلافا بين العلماء.

وإنما اختلف الفقهاء في الطائفة الممتنعة إذا أصرت على ترك بعض السنن كركعتى الفجر، والأذان والإقامة ـ عند من لا يقول بوجوبها ـ ونحو ذلك من الشعائر. هل تقاتل الطائفة الممتنعة على تركها أم لا؟ فأما الواجبات والمحرمات المذكورة ونحوها فلا خلاف في القتال عليها.

وهؤلاء عند المحققين من العلماء ليسوا بمنزلة البغاة الخارجين على الإمام، أو الخارجين عن طاعته، كأهل الشام مع أمير المؤمنين على بن أبى طالب ـ رضي الله عنه ـ فإن أولئك خارجون عن طاعة إمام معين، أو خارجون عليه لإزالة ولايته. وأما المذكورون فهم خارجون عن/الإسلام، بمنزلة مانعى الزكاة، وبمنزلة الخوارج الذين قاتلهم على بن أبى طالب ـ رضي الله عنه. ولهذا افترقت سيرة على ـ رضي الله عنه ـ في قتاله لأهل البصرة والشام، وفى قتاله لأهل النهروان، فكانت سيرته مع أهل البصرة والشاميين سيرة الأخ مع أخيه، ومع الخوارج بخلاف ذلك. وثبتت النصوص عن النبى صلى الله عليه وسلم بما استقر عليه إجماع الصحابة من قتال الصديق وقتال الخوارج، بخلاف الفتنة الواقعة مع أهل الشام والبصرة؛ فإن النصوص دلت فيها بما دلت، والصحابة والتابعون اختلفوا فيها.

على أن من الفقهاء الأئمة من يرى أن أهل البغى الذين يجب قتالهم هم الخارجون على الإمام بتأويل سائغ، لا الخارجون عن طاعته. وآخرون يجعلون القسمين بغاة، وبين البغاة والتتار فرق بين فأما الذين لا يلتزمون شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة فلا أعلم في وجوب قتالهم خلافا.

فإذا تقررت هذه القاعدة، فهؤلاء القوم المسؤول عنهم عسكرهم مشتمل على قوم كفار من النصارى والمشركين، وعلى قوم منتسبين إلى الإسلام ـ وهم جمهور العسكرـ ينطقون بالشهادتين إذا طلبت منهم، ويعظمون الرسول، وليس فيهم من يصلى إلا قليل جدا، وصوم رمضان أكثر فيهم من الصلاة، والمسلم عندهم أعظم من غيره، /وللصالحين من المسلمين عندهم قدر، وعندهم من الإسلام بعضه، وهم متفاوتون فيه، لكن الذى عليه عامتهم والذى يقاتلون عليه متضمن لترك كثير من شرائع الإسلام أو أكثرها؛ فإنهم أولا يوجبون الإسلام ولا يقاتلون من تركه، بل من قاتل على دولة المغول عظموه وتركوه وإن كان كافرا عدوا لله ورسوله، وكل من خرج عن دولة المغول أو عليها استحلوا قتاله وإن كان من خيار المسلمين. فلا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت