فهرس الكتاب

الصفحة 583 من 1045

فَرْجٍ: فَهُوَ مُحَارِبٌ , عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ - كَثُرُوا أَوْ قَلُّوا - حُكْمُ الْمُحَارِبِينَ الْمَنْصُوصُ فِي الْآيَةِ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَخُصَّ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ , إذْ عَهِدَ إلَيْنَا بِحُكْمِ الْمُحَارِبِينَ {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} . وَنَحْنُ نَشْهَدُ بِشَهَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَخُصَّ بَعْضَ هَذِهِ الْوُجُوهِ لَمَا أَغْفَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ , وَلَا نَسِيَهُ وَلَا أَعْنَتَنَا بِتَعَمُّدِ تَرْكِ ذِكْرِهِ حَتَّى يُبَيِّنَهُ لَنَا غَيْرُهُ بِالتَّكَهُّنِ وَالظَّنِّ الْكَاذِبِ.

وقوله تعالى {وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إسْلَامِهِمْ} .

فَصَحَّ أَنَّ الْكُفْرَ يَكُونُ كَلَامًا. وَقَدْ حَكَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْكُفْرِ عَلَى إبْلِيسَ - وَهُوَ عَالِمٌ بِأَنَّ اللَّهَ خَلَقَهُ مِنْ نَارٍ وَخَلَقَ آدَمَ مِنْ طِينٍ - وَأَمَرَهُ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ وَكَرَّمَهُ عَلَيْهِ - وَسَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى النَّظِرَةَ إلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ. ثُمَّ يُقَالُ لَهُمْ: إذْ لَيْسَ شَتْمُ اللَّهِ تَعَالَى كُفْرًا عِنْدَكُمْ , فَمِنْ أَيْنَ قُلْتُمْ: إنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى الْكُفْرِ؟ فَإِنْ قَالُوا: لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ عَلَى قَائِلِهِ بِحُكْمِ الْكُفْرِ؟ قِيلَ لَهُمْ: نَعَمْ , مَحْكُومٌ عَلَيْهِ بِنَفْسِ قَوْلِهِ , لَا بِمَغِيبِ ضَمِيرِهِ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ تَعَالَى فَإِنَّمَا حُكِمَ لَهُ بِالْكُفْرِ بِقَوْلِهِ فَقَطْ , فَقَوْلُهُ هُوَ الْكُفْرُ , وَمَنْ قَطَعَ عَلَى أَنَّهُ فِي ضَمِيرِهِ , وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ قَوْمٍ {يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} فَكَانُوا بِذَلِكَ كُفَّارًا , كَالْيَهُودِ الَّذِينَ عَرَفُوا صِحَّةَ نُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ كُفَّارٌ بِاَللَّهِ تَعَالَى قَطْعًا بِيَقِينٍ , إذْ أَعْلَنُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رحمه الله: فَإِذْ قَدْ سَقَطَ هَذَا الْقَوْلُ فَالْوَاجِبُ أَنْ نَنْظُرَ فِيمَا احْتَجَّتْ بِهِ الطَّائِفَةُ الْقَائِلَةُ إنَّ مَنْ سَبَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم أَوْ نَبِيًّا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ , أَوْ مَلَكًا مِنْ الْمَلَائِكَةِ - عليهم السلام - فَهُوَ بِذَلِكَ الْقَوْلِ كَافِرٌ - سَوَاءٌ اعْتَقَدَهُ بِقَلْبِهِ أَوْ اعْتَقَدَ الْإِيمَانَ بِقَلْبِهِ: فَوَجَدْنَاهُمْ يَذْكُرُونَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى {قُلْ أَبِاَللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمَانِكُمْ} . وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} الْآيَةَ. وقوله تعالى {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} قَالَ فَقَضَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَقَسَمَ وَحَكَمَ: أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ أَحَدٌ حَتَّى يُحَكِّمَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم فِيمَا شَجَرَ ثُمَّ لَا يَجِدُ فِي نَفْسِهِ حَرَجًا فِي شَيْءٍ مِمَّا قَضَى بِهِ وَيُسَلِّمُ تَسْلِيمًا. قَالُوا: وَبِضَرُورَةِ الْحِسِّ وَالْمُشَاهَدَةِ نَدْرِي أَنَّ مَنْ سَبَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْ النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله وسلم أَوْ مَلَكًا مِنْ الْمَلَائِكَةِ , أَوْ نَبِيًّا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَى جَمِيعِهِمْ السَّلَامُ - أَوْ شَيْئًا مِنْ الشَّرِيعَةِ , أَوْ اسْتَخَفَّ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ , فَلَمْ يُحَكِّمْ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لِمَا أَتَى بِهِ مِنْ تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعَالَى , وَإِكْرَامِ الْمَلَائِكَةِ وَالنَّبِيِّينَ , وَتَعْظِيمِ الشَّرِيعَةِ الَّتِي هِيَ شَعَائِرُ اللَّهِ تَعَالَى. فَصَحَّ أَنَّهُ لَمْ يُؤْمِنْ فَقَدْ كَفَرَ إذْ لَيْسَ إلَّا مُؤْمِنٌ أَوْ كَافِرٌ. قَالُوا: وَقَدْ نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى بِإِحْبَاطِ عَمَلِ مَنْ رَفَعَ صَوْتَهُ عَلَى صَوْتِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَإِحْبَاطُ الْعَمَلِ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْكُفْرِ فَقَطْ. وَرَفْعُ الصَّوْتِ عَلَى صَوْتِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَدْخُلُ فِيهِ: الِاسْتِخْفَافُ بِهِ عليه السلام , وَالسَّبُّ لَهُ , وَالْمُعَارَضَةُ مِنْ حَاضِرٍ وَغَائِبٍ. قَالُوا: وَكَانَ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي الْمُسْتَهْزِئِينَ بِاَللَّهِ وَبِآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ: أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِذَلِكَ بَعْدَ إيمَانِهِمْ , فَارْتَفَعَ الْإِشْكَالُ وَصَحَّ يَقِينًا أَنَّ كُلَّ مَنْ اسْتَهْزَأَ بِشَيْءٍ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَبِرَسُولٍ مِنْ رُسُلِهِ فَإِنَّهُ كَافِرٌ بِذَلِكَ مُرْتَدٌّ. وَقَدْ عَلِمْنَا - أَنَّ الْمَلَائِكَةَ كُلَّهُمْ رُسُلُ اللَّهِ تَعَالَى , قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا} وَكَذَلِكَ عَلِمْنَا بِضَرُورَةِ الْمُشَاهَدَةِ: أَنَّ كُلَّ سَابٍّ وَشَاتِمٍ فَمُسْتَخِفٌّ بِالْمَشْتُومِ مُسْتَهْزِئٌ بِهِ ,

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت