فَالِاسْتِخْفَافُ وَالِاسْتِهْزَاءُ شَيْءٌ وَاحِدٌ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رحمه الله: وَوَجَدْنَا اللَّهَ تَعَالَى قَدْ جَعَلَ إبْلِيسَ بِاسْتِخْفَافِهِ بِآدَمَ عليه السلام كَافِرًا ; لِأَنَّهُ إذْ قَالَ {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ} فَحِينَئِذٍ أَمَرَهُ تَعَالَى بِالْخُرُوجِ مِنْ الْجَنَّةِ وَدَحْرِهِ , وَسَمَّاهُ كَافِرًا بِقَوْلِهِ {وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ} . وَحَدَّثَنَا حُمَامٌ نا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ نا أَبُو مُحَمَّدٍ حَبِيبٌ الْبُخَارِيُّ - هُوَ صَاحِبُ أَبِي ثَوْرٍ ثِقَةٌ مَشْهُورٌ - نا مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلٍ سَمِعْت عَلِيَّ بْنَ الْمَدِينِيِّ يَقُولُ:"دَخَلْت عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ لِي: أَتَعْرِفُ حَدِيثًا مُسْنَدًا فِيمَنْ سَبَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله وسلم فَيُقْتَلُ؟ قُلْت: نَعَمْ , فَذَكَرْت لَهُ حَدِيثَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ سِمَاكِ بْنِ الْفَضْلِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ"رَجُلٍ"مِنْ بُلْقِينَ قَالَ {كَانَ رَجُلٌ يَشْتُمُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله وسلم فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم: مَنْ يَكْفِينِي عَدُوًّا لِي؟ فَقَالَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ: أَنَا فَبَعَثَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم إلَيْهِ فَقَتَلَهُ , فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ: لَيْسَ هَذَا مُسْنَدًا , هُوَ عَنْ رَجُلٍ؟ فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِهَذَا يُعْرَفُ هَذَا الرَّجُلُ وَهُوَ اسْمُهُ , قَدْ أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَبَايَعَهُ , وَهُوَ مَشْهُورٌ مَعْرُوفٌ؟ قَالَ: فَأَمَرَ لِي بِأَلْفِ دِينَارٍ؟} قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رحمه الله: هَذَا حَدِيثٌ مُسْنَدٌ صَحِيحٌ , وَقَدْ رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ عَنْ عَبْدُ الرَّزَّاقِ كَمَا ذَكَرَهُ , وَهَذَا رَجُلٌ مِنْ الصَّحَابَةِ مَعْرُوفٌ اسْمُهُ الَّذِي سَمَّاهُ بِهِ أَهْلُهُ"رَجُلٌ"مِنْ بُلْقِينَ. فَصَحَّ بِهَذَا كُفْرُ مَنْ سَبَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله وسلم وَأَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَعَالَى , وَهُوَ عليه السلام لَا يُعَادِي مُسْلِمًا قَالَ تَعَالَى {الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} . فَصَحَّ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ كُلَّ مَنْ سَبَّ اللَّهَ تَعَالَى , أَوْ اسْتَهْزَأَ بِهِ , أَوْ سَبَّ مَلَكًا مِنْ الْمَلَائِكَةِ أَوْ اسْتَهْزَأَ بِهِ , أَوْ سَبَّ نَبِيًّا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ , أَوْ اسْتَهْزَأَ بِهِ , أَوْ سَبَّ آيَةً مِنْ آيَاتِ اللَّهِ تَعَالَى , أَوْ اسْتَهْزَأَ بِهَا , وَالشَّرَائِعُ كُلُّهَا , وَالْقُرْآنُ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ بِذَلِكَ كَافِرٌ مُرْتَدٌّ , لَهُ حُكْمُ الْمُرْتَدِّ , وَبِهَذَا نَقُولُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رحمه الله: وَيُبَيِّنُ هَذَا مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ ني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ نا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ نا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ عَنْ أَنَسٍ {أَنَّ رَجُلًا كَانَ يُتَّهَمُ بِأُمِّ وَلَدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم لِعَلِيٍّ: اذْهَبْ فَاضْرِبْ عُنُقَهُ , فَأَتَاهُ عَلِيٌّ فَإِذَا هُوَ فِي رَكِيٍّ يَتَبَرَّدُ فِيهَا , فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: اُخْرُجْ , فَنَاوَلَهُ يَدَهُ , فَأَخْرَجَهُ , فَإِذَا هُوَ مَجْبُوبٌ - لَيْسَ لَهُ ذَكَرٌ - فَكَفَّ عَلِيٌّ عَنْهُ , ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهُ لَمَجْبُوبٌ , مَالَهُ ذَكَرٌ؟} قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رحمه الله: هَذَا خَبَرٌ صَحِيحٌ , وَفِيهِ مَنْ آذَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله وسلم وَجَبَ قَتْلُهُ , وَإِنْ كَانَ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ بِرَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَجِبْ بِذَلِكَ قَتْلُهُ؟ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: كَيْفَ يَامُرُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِقَتْلِهِ دُونَ أَنْ يَتَحَقَّقَ عِنْدَهُ ذَلِكَ الْأَمْرُ , لَا بِوَحْيٍ , وَلَا بِعِلْمٍ صَحِيحٍ , وَلَا بِبَيِّنَةٍ , وَلَا بِإِقْرَارٍ؟ وَكَيْفَ يَامُرُ - عليه السلام - بِقَتْلِهِ فِي قِصَّةٍ بِظَنٍّ قَدْ ظَهَرَ كَذِبُهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَبُطْلَانُهُ؟ وَكَيْفَ يَامُرُ - عليه السلام - بِقَتْلِ امْرِئٍ قَدْ أَظْهَرَ اللَّهُ تَعَالَى بَرَاءَتَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِيَقِينٍ لَا شَكَّ فِيهِ؟ وَكَيْفَ يَامُرُ - عليه السلام - بِقَتْلِهِ وَلَا يَامُرُ بِقَتْلِهَا , وَالْأَمْرُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا مُشْتَرَكٌ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رحمه الله: وَهَذِهِ سُؤَالَاتٌ لَا يَسْأَلُهَا إلَّا كَافِرٌ أَوْ إنْسَانٌ جَاهِلٌ يُرِيدُ مَعْرِفَةَ الْمَخْرَجِ مِنْ كُلِّ هَذِهِ الِاعْتِرَاضَاتِ الْمَذْكُورَةِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رحمه الله: الْوَجْهُ فِي هَذِهِ السُّؤَالَاتِ بَيِّنٌ وَاضِحٌ لَا خَفَاءَ بِهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ , وَمَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَامُرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِقَتْلِ أَحَدٍ بِظَنٍّ بِغَيْرِ إقْرَارٍ , أَوْ بَيِّنَةٍ , أَوْ عِلْمٍ أَوْ مُشَاهَدَةٍ , أَوْ وَحْيٍ ,"