والفسق , أخذا من رفضهم لألوهية الله - حين يرفضون حاكميته المطلقة ; وحين يجعلون لأنفسهم خاصة الألوهية الأولى فيشرعون للناس من عند أنفسهم ما لم يأذن به الله.
وعلى هذا المعنى يتكى ء سياق السورة ونصوصها الواضحة الصريحة كذلك.
شأن آخر يتناوله سياق السورة ; غير بناء التصور الاعتقادي الصحيح , وبيان الانحرافات التي تتلبس به عند أهل الكتاب وأهل الجاهلية ; وغير بيان معنى"الدين"وأنه الاعتقاد الصحيح والطاعة والتلقي من الله وحده في التحريم والتحليل , والحكم بما أنزل الله وحده دون تعديل أو تحريف أو تبديل.
ذلك هو شأن هذه الأمة المسلمة ; دورها الحقيقي في هذه الأرض ; وموقفها تجاه أعدائها , وكشف هؤلاء الأعداء , وكيدهم لهذه الأمة ولهذا الدين ; وبيان ما هم عليه من الضلالة والانحراف في عقيدتهم ; وما هم عليه كذلك من العداء للجماعة المسلمة وإجماع الكيد لها. .
إنها المعركة التي يخوضها القرآن الكريم بالجماعة المسلمة ; والتي سبق الحديث عنها في السور الثلاث الطوال السابقة. .
إن كتاب هذه الأمة هو كتاب الله الأخير للبشر ; وهو يصدق ما بين يديه من الكتاب في أصل الاعتقاد والتصور ; ولكنه - بما أنه هو الكتاب الأخير - يهيمن على كل ما سبقه وإليه تنتهي شريعة الله التي ارتضاها لعباده إلى يوم الدين ; فما أقره من شرائع أهل الكتاب قبله فهو من شرع الله ; وما نسخه فقد فقد صفته هذه وإن كان واردا في كتاب من الكتب المنزلة:
اليوم أكملت لكم دينكم , وأتممت عليكم نعمتي , ورضيت لكم الإسلام دينًا. .
(وأنزلنا إليك الكتاب بالحق , مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه) . .
ومن ثم فإن دور هذه الأمة هو أن تكون الوصية على البشرية ; تقيم العدل في الأرض , غير متأثرة بمودة أو شنآن , وغير ناظرة في إقامة العدل إلى ما أصابها أو يصيبها من الناس فهذه هي تكاليف القوامة والوصاية والهيمنة. . وغير متأثرة كذلك بانحرافات الآخرين وأهوائهم وشهواتهم ; فلا تنحرف فيه شعرة عن منهجها وشريعتها وطريقها القويم ; لاسترضاء أحد أو لتأليف قلب ; وغير ناظرة إلا إلى الله وتقواه:
(ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا ; وتعاونوا على البر والتقوى , ولا تعاونوا على الإثم والعدوان , واتقوا الله إن الله شديد العقاب) . .
(يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله , شهداء بالقسط ; ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا. اعدلوا هو أقرب للتقوى , واتقوا الله , إن الله خبير بما تعملون) .
وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه , فاحكم بينهم بما أنزل الله ; ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق.
(وأن احكم بينهم بما أنزل الله , ولا تتبع أهواءهم , واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم , وإن كثيرا من الناس لفاسقون) .