نَوْعَانِ: مُؤَقَّتٌ , وَهُوَ مَا يُسَمَّى بِالْهُدْنَةِ وَبِالْمُعَاهَدَةِ وَبِالْمُوَادَعَةِ - وَهُوَ عَقْدُ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ عَلَى تَرْكِ الْقِتَالِ مُدَّةً مَعْلُومَةً - مَعَ اخْتِلَافِ الْفُقَهَاءِ فِي مِقْدَارِ مُدَّةِ الْمُوَادَعَةِ. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ {رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَادَعَ أَهْلَ مَكَّةَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى أَنْ تُوضَعَ الْحَرْبُ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ عَشْرَ سِنِينَ} . وَالنَّوْعُ الثَّانِي: الْأَمَانُ الْمُؤَبَّدُ , وَهُوَ مَا يُسَمَّى عَقْدَ الذِّمَّةِ , وَهُوَ إقْرَارُ بَعْضِ الْكُفَّارِ عَلَى كُفْرِهِمْ بِشَرْطِ بَذْلِ الْجِزْيَةِ وَالْتِزَامِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ وَالْأَصْلُ فِيهِ قوله تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} . هَذَا مَعَ اخْتِلَافِ الْفُقَهَاءِ فِي غَيْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ , هَلْ تُقْبَلُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ وَيُقَرُّونَ عَلَى حَالِهِمْ أَمْ لَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ إلَّا الْإِسْلَامُ , فَإِنْ لَمْ يُسْلِمُوا قُتِلُوا. وَالْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ الْأَمَانِ: هُوَ الْأَمَانُ الَّذِي يُصْدَرُ مِنْ أَحَدِ الْمُسْلِمِينَ لِعَدَدٍ مَحْصُورٍ مِنْ الْكُفَّارِ , وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ: {الْمُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ , وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ , وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ} . وَأَخْبَارٌ أُخْرَى , وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي (أَمَانٌ , وَذِمَّةٌ , وَمُعَاهَدَةٌ) .
عَقْدُ الذِّمَّةِ لِأَهْلِ الْكِتَابِ:
5 -يَجُوزُ لِإِمَامِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ نَائِبِهِ أَنْ يُبْرِمَ عَقْدَ الذِّمَّةِ مَعَ أَهْلِ الْكِتَابِ , عَلَى الْخِلَافِ السَّابِقِ فِي الْمُرَادِ بِهِمْ , وَاخْتُلِفَ فِي غَيْرِهِمْ مِنْ الْكُفَّارِ , وَدَلِيلُ الِاتِّفَاقِ عَلَى جَوَازِ عَقْدِ الذِّمَّةِ لِأَهْلِ الْكِتَابِ قوله تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} . وَيَتَرَتَّبُ عَلَى الْعَقْدِ أَنْ يَلْتَزِمُوا أَحْكَامَ الْإِمَامِ , وَالْمُرَادُ بِالْتِزَامِ الْأَحْكَامِ: قَبُولُ مَا يَحْكُمُ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنْ أَدَاءِ حَقٍّ أَوْ تَرْكِ مُحَرَّمٍ , وَأَنْ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ , وَالْمُرَادُ بِالْإِعْطَاءِ: الْتِزَامُهُ وَالْإِجَابَةُ إلَى بَذْلِهِ , لَا حَقِيقَةَ الْإِعْطَاءِ وَلَا جَرَيَانَ الْأَحْكَامِ فِعْلًا , وَبِالْعَقْدِ تُعْصَمُ دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ ; لِأَنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ كَالْخَلَفِ عَنْ الْإِسْلَامِ فِي إفَادَةِ الْعِصْمَةِ. وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: إذَا طَلَبَ أَهْلُ الْكِتَابِ عَقْدَ الذِّمَّةِ , وَكَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ , وَجَبَ عَلَى الْإِمَامِ إجَابَتُهُمْ إلَيْهِ. وَلِتَفْصِيلِ أَحْكَامِ عَقْدِ الذِّمَّةِ , وَمَا يَنْعَقِدُ بِهِ , وَمِقْدَارُ الْجِزْيَةِ , وَعَلَى مَنْ تُفْرَضُ , وَبِمَ تَسْقُطُ , وَمَا يُنْتَقَضُ بِهِ عَقْدُ الذِّمَّةِ يُرْجَعُ إلَى مُصْطَلَحِ (أَهْلِ الذِّمَّةِ) (وَجِزْيَةٌ) .
مُجَاهَدَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ:
10 -قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} . أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِمُقَاتَلَةِ جَمِيعِ الْكُفَّارِ لِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى الْكُفْرِ , وَخَصَّ أَهْلَ الْكِتَابِ بِالذِّكْرِ لِتَعَاظُمِ مَسْئُولِيَّتِهِمْ ; لِمَا أُوتُوا مِنْ كُتُبٍ سَمَاوِيَّةٍ , وَلِكَوْنِهِمْ عَالِمِينَ بِالتَّوْحِيدِ وَالرُّسُلِ وَالشَّرَائِعِ وَالْمِلَلِ , وَخُصُوصًا ذِكْرُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وَمِلَّتِهِ وَأُمَّتِهِ , فَلَمَّا أَنْكَرُوهُ تَأَكَّدَتْ عَلَيْهِمْ الْحُجَّةُ , وَعَظُمَتْ مِنْهُمْ الْجَرِيمَةُ , فَنَبَّهَ عَلَى مَحَلِّهِمْ , ثُمَّ جَعَلَ لِلْقِتَالِ غَايَةً , وَهِيَ إعْطَاءُ الْجِزْيَةِ بَدَلًا مِنْ الْقَتْلِ. وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْجِزْيَةَ تُؤْخَذُ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى إذَا طَلَبُوا الْكَفَّ عَنْ الْقِتَالِ , لَكِنَّ الْخِلَافَ فِي غَيْرِهِمْ عَلَى تَفْصِيلٍ يُنْظَرُ فِي (أَهْلِ الْحَرْبِ , وَأَهْلِ الذِّمَّةِ ,