اللَّهُ تَعَالَى فِي وَصْفِ الْمُنَافِقِينَ {وَلَئِنْ سَأَلْتهمْ لَيَقُولُنَّ إنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاَللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمَانِكُمْ} , وَقَالَ تَعَالَى فِيهِمْ أَيْضًا: {وَإِذَا نَادَيْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا} . وَنُقِلَ فِي فَتْحِ الْعَلِيِّ لِمَالِكٍ: أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَزْدَرِي الصَّلَاةَ , وَرُبَّمَا ازْدَرَى الْمُصَلِّينَ وَشَهِدَ عَلَيْهِ مَلَأٌ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ , مِنْهُمْ مَنْ زَكَّى وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُزَكِّ. فَمَنْ حَمَلَهُ عَلَى الِازْدِرَاءِ بِالْمُصَلِّينَ لِقِلَّةِ اعْتِقَادِهِ فِيهِمْ فَهُوَ مِنْ سِبَابِ الْمُسْلِمِ , فَيَلْزَمُهُ الْأَدَبُ عَلَى قَدْرِ اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ. وَمَنْ يَحْمِلُهُ عَلَى ازْدِرَاءِ الْعِبَادَةِ فَالْأَصْوَبُ أَنَّهُ رِدَّةٌ , لِإِظْهَارِهِ إيَّاهُ وَشُهْرَتِهِ بِهِ , لَا زَنْدَقَةٌ , وَيَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمُرْتَدِّ. 4 - وَقَدْ يَكُونُ التَّحْقِيرُ وَاجِبًا: كَمَا هُوَ الْحَالُ فِيمَنْ فُرِضَتْ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ. لقوله تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} أَيْ ذَلِيلُونَ حَقِيرُونَ مُهَانُونَ. وَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا يَحْصُلُ بِهِ الصَّغَارُ عِنْدَ إعْطَائِهِمْ الْجِزْيَةَ. اُنْظُرْ مُصْطَلَحَ (أَهْلُ الذِّمَّةِ , وَجِزْيَةٌ) .
تَارِيخُ تَشْرِيعِ الْجِزْيَةِ فِي الْإِسْلَامِ:
9 -بَعْدَ أَنْ تَمَّ فَتْحُ مَكَّةَ فِي أَوَاخِرِ السَّنَةِ الثَّامِنَةِ لِلْهِجْرَةِ , وَدَخَلَ النَّاسُ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا وَاسْتَقَرَّتْ الْجَزِيرَةُ الْعَرَبِيَّةُ عَلَى دِينِ اللَّهِ تَعَالَى أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى رَسُولَهُ الْكَرِيمَ بِمُجَاهَدَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي قوله تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} وَلِهَذَا جَهَّزَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِقِتَالِ الرُّومِ وَدَعَا الْمُسْلِمِينَ إلَى ذَلِكَ , وَنَدَبَ الْأَعْرَابَ الَّذِينَ يَسْكُنُونَ حَوْلَ الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ إلَى قِتَالِهِمْ , فَأَوْعَبُوا مَعَهُ وَاجْتَمَعَ مِنْ الْمُقَاتِلَةِ نَحْوُ ثَلَاثِينَ أَلْفًا , وَتَخَلَّفَ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهَا مِنْ الْمُنَافِقِينَ وَغَيْرِهِمْ. وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِمَنْ مَعَهُ يُرِيدُ الشَّامَ فِي السَّنَةِ التَّاسِعَةِ لِلْهِجْرَةِ , فَبَلَغَ تَبُوكَ وَنَزَلَ بِهَا , وَأَقَامَ فِيهَا نَحْوًا مِنْ عِشْرِينَ يَوْمًا , يُبَايِعُ الْقَبَائِلَ الْعَرَبِيَّةَ عَلَى الْإِسْلَامِ , وَيَعْقِدُ الْمُعَاهَدَاتِ مَعَ الْقَبَائِلِ الْأُخْرَى عَلَى الْجِزْيَةِ إلَى أَنْ تَمَّ خُضُوعُ تِلْكَ الْمِنْطَقَةِ لِحُكْمِ الْإِسْلَامِ. قَالَ الطَّبَرِيُّ عِنْدَ تَفْسِيرِ آيَةِ الْجِزْيَةِ:"نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي أَمْرِهِ بِحَرْبِ الرُّومِ , فَغَزَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ نُزُولِهَا غَزْوَةَ تَبُوكَ". ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ مَرْوِيٌّ عَنْ مُجَاهِدِ بْنِ جَبْرٍ. بِهَذِهِ الْآيَةِ تَمَّ تَشْرِيعُ الْجِزْيَةِ , وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي وَقْتِ تَشْرِيعِهَا تَبَعًا لِاخْتِلَافِهِمْ فِي وَقْتِ نُزُولِ الْآيَةِ. فَذَهَبَ ابْنُ الْقَيِّمِ إلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لَمْ تُؤْخَذْ مِنْ أَحَدٍ مِنْ الْكُفَّارِ إلَّا بَعْدَ نُزُولِ آيَةِ سُورَةِ بَرَاءَةٍ فِي السَّنَةِ الثَّامِنَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ. وَذَهَبَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ إلَى أَنَّ آيَةَ الْجِزْيَةِ نَزَلَتْ فِي السَّنَةِ التَّاسِعَةِ لِلْهِجْرَةِ , حَيْثُ قَالَ عِنْدَ تَفْسِيرِهِ لِلْآيَةِ: هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ أَوَّلُ الْأَمْرِ بِقِتَالِ أَهْلِ الْكِتَابِ بَعْدَمَا تَمَهَّدَتْ أُمُورُ الْمُشْرِكِينَ وَدَخَلَ النَّاسُ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا وَاسْتَقَامَتْ جَزِيرَةُ الْعَرَبِ , أَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِقِتَالِ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ , وَكَانَ ذَلِكَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ. هَذَا وَلَمْ يَاخُذْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم جِزْيَةً مِنْ أَحَدٍ مِنْ الْكُفَّارِ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ الْجِزْيَةِ , فَلَمَّا نَزَلَتْ أَخَذَهَا مِنْ نَصَارَى نَجْرَانَ , وَمَجُوسِ هَجَرَ , ثُمَّ أَخَذَهَا مِنْ أَهْلِ أَيْلَةَ , وَأَذْرُحَ , وَأَهْلِ أَذْرَعَاتٍ وَغَيْرِهَا مِنْ الْقَبَائِلِ النَّصْرَانِيَّةِ الَّتِي تَعِيشُ فِي أَطْرَافِ الْجَزِيرَةِ الْعَرَبِيَّةِ.