من شريعته إلى شريعة أخرى. وقد علم الله حين رضيه للناس , أنه يسع الناس جميعًا. وعلم الله حين رضيه مرجعًا أخيرًا أنه يحقق الخير للناس جميعًا. وأنه يسع حياة الناس جميعًا , الى يوم الدين. وأي تعديل في هذا المنهج - ودعك من العدول عنه - هو إنكار لهذا المعلوم من الدين بالضروره. يخرج صاحبه من هذا الدين. ولو قال باللسان ألف مره: إنه من المسلمين!
وقد علم الله أن معاذير كثيره يمكن أن تقوم وأن يبرر بها العدول عن شيء مما أنزل الله واتباع أهواء المحكومين المتحاكمين. . وأن هواجس قد تتسرب في ضرورة الحكم بما أنزل الله كله بلا عدول عن شيء فيه , في بعض الملابسات والظروف. فحذر الله نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآيات مرتين من اتباع أهواء المتحاكمين , ومن فتنتهم له عن بعض ما أنزل الله إليه. .
وأولى هذه الهواجس: الرغبة البشرية الخفية في تأليف القلوب بين الطوائف المتعددة , والاتجاهات والعقائد المتجمعة في بلد واحد. ومسايرة بعض رغباتهم عند ما تصطدم ببعض أحكام الشريعة , والميل إلى التساهل في الأمور الطفيفة , أو التي يبدو أنها ليست من أساسيات الشريعة!
وقد روى أن اليهود عرضوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يؤمنوا له إذا تصالح معهم على التسامح في أحكام بعينها منها حكم الرجم. وأن هذا التحذير قد نزل بخصوص هذا العرض. . ولكن الأمر - كما هو ظاهر - أعم من حالة بعينها وعرض بعينه. فهو أمر يعرض في مناسبات شتى , ويتعرض له أصحاب هذه الشريعة في كل حين. . وقد شاء الله - سبحانه - أن يحسم في هذا الأمر , وأن يقطع الطريق على الرغبة البشرية الخفية في التساهل مراعة للاعتبارات والظروف , وتأليفا للقلوب حين تختلف الرغبات والأهواء. فقال لنبيه: إن الله لو شاء لجعل الناس أمة واحدة ; ولكنه جعل لكل منهم طريقا ومنهاجا ; وجعلهم مبتلين مختبرين فيما آتاهم من الدين والشريعة , وما آتاهم في الحياة كلها من عطايا. وأن كلا منهم يسلك طريقه ; ثم يرجعون كلهم إلى الله , فينبئهم بالحقيقة , ويحاسبهم على ما اتخذوا من منهج وطريق. . وأنه إذن لا يجوز أن يفكر في التساهل في شيء من الشريعة لتجميع المختلفين في المشارب والمناهج. . فهم لا يتجمعون: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا , ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة. ولكن ليبلوكم فيما آتاكم. فاستبقوا الخيرات. إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون) .
بذلك أغلق الله - سبحانه - مداخل الشيطان كلها ; وبخاصة ما يبدو منها خيرا وتأليفا للقلوب وتجميعا للصفوف ; بالتساهل في شيء من شريعة الله ; في مقابل إرضاء الجميع! أو في مقابل ما يسمونه وحدة الصفوف!
إن شريعة الله أبقى وأغلى من أن يضحى بجزء منها في مقابل شيء قدر الله ألا يكون! فالناس قد خلقوا ولكل منهم استعداد , ولكل منهم مشرب , ولكل منهم منهج , ولكل منهم طريق. ولحكمة من حكم الله خلقوا هكذا مختلفين. وقد عرض الله عليهم الهدى ; وتركهم يستبقون. وجعل هذا ابتلاء لهم يقوم عليه جزاؤهم يوم يرجعون إليه , وهم إليه راجعون ;