وإنها لتعلة باطلة إذن , ومحاولة فاشلة , أن يحاول أحد تجميعهم على حساب شريعة الله , أو بتعبير آخر على حساب صلاح الحياة البشرية وفلاحها. فالعدول أو التعديل في شريعة الله لا يعني شيئا إلا الفساد في الأرض ; وإلا الانحراف عن المنهج الوحيد القويم ; وإلا انتفاء العدالة في حياة البشر ; وإلا عبودية الناس بعضهم لبعض , واتخاذ بعضهم لبعض أربابًا من دون الله. . وهو شر عظيم وفساد عظيم. . لا يجوز ارتكابه في محاولة عقيمة لا تكون ; لأنها غير ما قدره الله في طبيعة البشر ; ولأنها مضادة للحكمة التي من أجلها قدر ما قدر من اختلاف المناهج والمشارع , والاتجاهات والمشارب. . وهو خالق الخلق وصاحب الأمر الأول فيهم والأخير. وإليه المرجع والمصير. .
إن محاولة التساهل في شيء من شريعة الله , لمثل هذا الغرض , تبدو - في ظل هذا النص الصادق الذي يبدو مصداقه في واقع الحياة البشرية في كل ناحية - محاولة سخيفة ; لا مبرر لها من الواقع ; ولا سند لها من إرادة الله ; ولا قبول لها في حس المسلم , الذي لا يحاول إلا تحقيق مشيئة الله. فكيف وبعض من يسمون أنفسهم"مسلمين"يقولون: إنه لا يجوز تطبيق الشريعة حتى لا نخسر"السائحين"?!!! أي والله هكذا يقولون!
ويعود السياق فيؤكد هذه الحقيقة , ويزيدها وضوحا. فالنص الأول: (فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق) . . قد يعني النهي عن ترك شريعة الله كلها إلى أهوائهم! فالآن يحذره من فتنتهم له عن بعض ما أنزل الله إليه:
(وأن احكم بينهم بما أنزل الله , ولا تتبع أهواءهم , واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك) . .
فالتحذير هنا أشد وأدق ; وهو تصوير للأمر على حقيقته. .
فهي فتنة يجب أن تحذر. . والأمر في هذا المجال لا يعدو أن يكون حكما بما أنزل الله كاملا ; أو أن يكون اتباعا للهوى وفتنة يحذر الله منها.
ثم يستمر السياق في تتبع الهواجس والخواطر ; فيهون على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهم إذا لم يعجبهم هذا الاستمساك الكامل بالصغيرة قبل الكبيرة في هذه الشريعة , وإذا هم تولوا فلم يختاروا الإسلام دينا ; أو تولوا عن الاحتكام إلى شريعة الله [في ذلك الأوان حيث كان هناك تخيير قبل أن يصبح هذا حتما في دار الإسلام] :
(فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم. وإن كثيرا من الناس لفاسقون) .
فإن تولوا فلا عليك منهم ; ولا يفتنك هذا عن الاستمساك الكامل بحكم الله وشريعته. ولا تجعل إعراضهم يفت في عضدك أو يحولك عن موقفك. . فإنهم إنما يتولون ويعرضون لأن الله يريد أن يجزيهم على بعض ذنوبهم. فهم الذين سيصيبهم السوء بهذا الإعراض: لا أنت ولا شريعة الله ودينه ; ولا الصف المسلم المستمسك بدينه. . ثم إنها طبيعة البشر: (وإن كثيرا من الناس لفاسقون) فهم يخرجون وينحرفون. لأنهم هكذا ; ولا حيلة لك في هذا الأمر , ولا ذنب للشريعة! ولا سبيل لاستقامتهم على الطريق!