كُلُّ مَا احْتَجُّوا بِهِ , وَنَحْنُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - ذَاكِرُونَ كُلَّ آيَةٍ تَعَلَّقَ بِهَا مُتَعَلَّقٌ فِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَرَّفَ الْمُنَافِقِينَ بِأَعْيَانِهِمْ , وَمُبِينُونَ - بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَايِيدِهِ - أَنَّهُمْ قِسْمَانِ: قِسْمٌ - لَمْ يُعَرِّفْهُمْ قَطُّ عليه السلام. وَقِسْمٌ آخَرُ - افْتَضَحُوا , فَعَرَّفَهُمْ فَلَاذُوا بِالتَّوْبَةِ , وَلَمْ يُعَرِّفْهُمْ عليه السلام أَنَّهُمْ كَاذِبُونَ أَوْ صَادِقُونَ فِي تَوْبَتِهِمْ فَقَطْ. فَإِذَا بَيَّنَّا هَذَا - بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى - بَطَلَ قَوْلُ مَنْ احْتَجَّ بِأَمْرِ الْمُنَافِقِينَ فِي أَنَّهُ لَا قَتْلَ عَلَى مُرْتَدٍّ , وَبَقِيَ قَوْلُ: مَنْ رَأَى الْقَتْلَ بِالتَّوْبَةِ. وَأَمَّا إنَّهُ لَا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ , وَالْبُرْهَانُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ ذَلِكَ , فَنَقُولُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاَللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ} إلَى قوله تعالى {فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} . فَهَذِهِ أَوَّلُ آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ فِيهَا ذِكْرُ الْمُنَافِقِينَ , وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَرَفَهُمْ , وَلَا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْهُمْ , فَلَا مُتَعَلَّقَ فِيهَا لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْقَوْلَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ} إلَى قوله تعالى: {إنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} فَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ مُمْكِنٌ أَنْ يَكُونُوا مَعْرُوفِينَ , لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَنَا أَنَّهُمْ مِنْ غَيْرِنَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى {مِنْ دُونِكُمْ} فَإِذْ هُمْ مِنْ غَيْرِنَا فَمُمْكِنٌ أَنْ يَكُونُوا مِنْ الْيَهُودِ مَكْشُوفِينَ. وَمُمْكِنٌ أَنْ يَكُونَ قوله تعالى عَنْهُمْ أَنَّهُمْ {قَالُوا: آمَنَّا} أَيْ بِمَا عِنْدَهُمْ. وَقَدْ يُمْكِنُ أَيْضًا: أَنْ يَكُونُوا مِنْ الْمُنَافِقِينَ الْمُظْهِرِينَ لِلْإِسْلَامِ. وَمُمْكِنُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَنَا أَنْ لَا نَتَّخِذَهُمْ بِطَانَةً إذَا أَطْلَعَنَا مِنْهُمْ عَلَى هَذَا , وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَظْهَرُ وَأَقْوَى لِظَاهِرِ الْآيَةِ. وَإِذْ كِلْتَاهُمَا مُمْكِنٌ فَلَا مُتَعَلَّقَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ لِمَنْ ذَهَبَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَعْرِفُ الْمُنَافِقِينَ بِأَعْيَانِهِمْ , وَيَدْرِي أَنَّ بَاطِنَهُمْ النِّفَاقُ. وَقَالَ تَعَالَى {أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ} إلَى قوله تعالى: {حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} . وَصَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم {ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا} فِي كِتَابِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ {إذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَإِذَا اُؤْتُمِنَ خَانَ وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ} . وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ أَيْضًا - نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ , وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ قَالَا جَمِيعًا: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ نا الْأَعْمَشُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم {أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَلَّةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَلَّةٌ مِنْ نِفَاقٍ حَتَّى يَدَعَهَا: إذَا حَدَّثَ كَذَبَ , إذَا وَعَدَ أَخْلَفَ , إذَا عَاهَدَ غَدَرَ , وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ} . فَقَدْ صَحَّ أَنَّ هَاهُنَا نِفَاقًا لَا يَكُونُ صَاحِبُهُ كَافِرًا , وَنِفَاقًا يَكُونُ صَاحِبُهُ كَافِرًا , فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَرَادُوا التَّحَاكُمَ إلَى الطَّاغُوتِ لَا إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مُظْهِرِينَ لِطَاعَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عُصَاةً بِطَلَبِ الرُّجُوعِ فِي الْحُكْمِ إلَى غَيْرِهِ مُعْتَقِدِينَ لِصِحَّةِ ذَلِكَ , لَكِنْ رَغْبَةً فِي اتِّبَاعِ الْهَوَى , فَلَمْ يَكُونُوا بِذَلِكَ كُفَّارًا بَلْ عُصَاةً , فَنَحْنُ نَجِدُ هَذَا عِيَانًا عِنْدَنَا , فَقَدْ نَدْعُو نَحْنُ عِنْدَ الْحَاكِمِ إلَى الْقُرْآنِ وَإِلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الثَّابِتِ عَنْهُمْ بِإِقْرَارِهِمْ فَيَابَوْنَ ذَلِكَ وَيَرْضَوْنَ بِرَايِ أَبِي حَنِيفَةَ , وَمَالِكٍ , وَالشَّافِعِيِّ , هَذَا أَمْرٌ لَا يُنْكِرُهُ أَحَدٌ , فَلَا يَكُونُونَ بِذَلِكَ كُفَّارًا , فَقَدْ يَكُونُ أُولَئِكَ هَكَذَا حَتَّى إذَا بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ , وَجَبَ أَنَّ مَنْ وَقَفَ عَلَى هَذَا قَدِيمًا وَحَدِيثًا , وَإِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَأَبَى وَعَنَدَ فَهُوَ كَافِرٌ؟ وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ: أَنَّ