فهرس الكتاب

الصفحة 696 من 1045

أُولَئِكَ عَنَدُوا بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ , فَإِذْ لَا بَيَانَ فِيهَا فَلَا حُجَّةَ فِيهَا لِمَنْ يَقُولُ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَرَفَهُمْ أَنَّهُمْ مُنَافِقُونَ وَأَقَرَّهُمْ. وَقَالَ تَعَالَى {وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ} إلَى قوله تعالى: {وَكِيلًا} فَهَذَا لَيْسَ فِيهِ نَصٌّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يُظْهِرُونَ الْإِيمَانَ , بَلْ لَعَلَّهُمْ كَانُوا كُفَّارًا مُعْلِنِينَ , وَكَانُوا يَلْتَزِمُونَ الطَّاعَةَ بِالْمُسَالَمَةِ , فَإِذْ لَا نَصَّ فِيهَا فَلَا حُجَّةَ فِيهَا لِمَنْ ادَّعَى أَنَّهُ - عليه السلام - كَانَ يَعْرِفُهُمْ وَيَدْرِي أَنَّ عَقْدَهُمْ النِّفَاقَ. وَقَالَ تَعَالَى {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ} إلَى قَوْلِهِ: {وَأُوْلَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا} .

وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا أَبُو الْوَلِيدِ - هُوَ الطَّيَالِسِيُّ - نا شُعْبَةُ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: سَمِعْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ يُحَدِّثُ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: {لَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إلَى أُحُدٍ رَجَعَ نَاسٌ مِمَّنْ خَرَجَ مَعَهُ , وَكَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةٌ تَقُولُ: نُقَاتِلُهُمْ , وَفِرْقَةٌ تَقُولُ: لَا نُقَاتِلُهُمْ , فَنَزَلَتْ فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ} فَهَذَا إسْنَادٌ صَحِيحٌ , وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى أُولَئِكَ: مُنَافِقِينَ. وَأَمَّا قوله تعالى فِي هَذِهِ الْآيَةِ مُتَّصِلًا بِذَلِكَ {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً} إلَى قوله تعالى: {فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا} فَقَدْ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يُظَنَّ أَنَّهُ تَعَالَى عَنَى بِذَلِكَ أُولَئِكَ الْمُنَافِقِينَ , وَهُوَ كَانَ الْأَظْهَرَ لَوْلَا قوله تعالى {فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} فَهَذَا يُوَضِّحُ غَايَةَ الْإِيضَاحِ أَنَّهُ ابْتِدَاءُ حُكْمٍ فِي قَوْمٍ آخَرِينَ غَيْرِ أُولَئِكَ الْمُنَافِقِينَ , لِأَنَّ أُولَئِكَ كَانُوا مِنْ سُكَّانِ الْمَدِينَةِ بِلَا شَكٍّ , وَلَيْسَ عَلَى سُكَّانِ الْمَدِينَةِ هِجْرَةٌ , بَلْ الْهِجْرَةُ كَانَتْ إلَى دَارِهِمْ. فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَحُكْمُ الْآيَةِ كُلِّهَا أَنَّهَا فِي قَوْمٍ كُفَّارٍ لَمْ يُؤْمِنُوا بَعْدُ , وَادَّعُوا أَنَّهُمْ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا , وَكَانَ الْحُكْمُ حِينَئِذٍ: أَنَّ مَنْ آمَنَ وَلَمْ يُهَاجِرْ لَمْ يَنْتَفِعْ بِإِيمَانِهِ , وَكَانَ كَافِرًا كَسَائِرِ الْكُفَّارِ وَلَا فَرْقَ , حَتَّى يُهَاجِرَ , إلَّا مَنْ أُبِيحَ لَهُ سُكْنَى بَلَدِهِ , كَمَنْ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ , وَالْبَحْرَيْنِ , وَسَائِرِ مَنْ أُبِيحَ لَهُ سُكْنَى أَرْضِهِ , إلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ , قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا} . وَقَدْ قَالَ تَعَالَى {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} فَقَدْ قَطَعَ اللَّهُ تَعَالَى الْوِلَايَةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ , فَلَيْسُوا مُؤْمِنِينَ. وَقَالَ تَعَالَى {إنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ} إلَى قَوْلِهِ {إلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ} الْآيَةَ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَعْنَى {حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} أَيْ حَتَّى يُجَاهِدُوا مَعَكُمْ , بِخِلَافِ فِعْلِهِمْ حِينَ انْصَرَفُوا عَنْ أُحُدٍ وَأَرَادُوا أَنْ يَجْعَلُوا الْآيَةَ كُلَّهَا فِي الْمُنَافِقِينَ الْمُنْصَرِفِينَ عَنْ أُحُدٍ؟ قِيلَ لَهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ: هَذَا مُمْكِنٌ , وَلَكِنْ قَدْ قَالَ تَعَالَى {فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} فَأَخْبِرُونَا هَلْ فَعَلَ ذَلِكَ النَّبِيُّ عليه السلام فَقَتَلَ الرَّاجِعِينَ عَنْ أُحُدٍ حَيْثُ وَجَدَهُمْ؟ وَهَلْ أَخَذَهُمْ أَمْ لَا؟ فَإِنْ قَالُوا: قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ , كَذَبُوا كَذِبًا لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ , وَمَا عِنْدَ مُسْلِمٍ شَكٌّ فِي أَنَّهُ - عليه السلام - لَمْ يَقْتُلْ مِنْهُمْ أَحَدًا وَلَا نَبَذَ الْعَهْدَ إلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ. وَإِنْ قَالُوا: لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ - عليه السلام - وَلَا الْمُؤْمِنُونَ؟ قِيلَ لَهُمْ: صَدَقْتُمْ , وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَظُنَّ أَنَّ النَّبِيَّ - عليه السلام - خَالَفَ أَمْرَ رَبِّهِ , فَأَمَرَهُ تَعَالَى إنْ تَوَلَّوْا بِقَتْلِهِمْ , حَيْثُ وَجَدَهُمْ , فَلَمْ يَفْعَلْ , وَهَذَا كُفْرٌ مِمَّنْ ظَنَّهُ بِلَا شَكٍّ. فَإِنْ قَالُوا: لَمْ يَتَوَلَّوْا بَلْ تَابُوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت