مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَلَا مِنْ دِمَائِهِمْ ; لِأَنَّهُ ضَمِنَ أَلَا يَتَعَرَّضَ لَهُمْ بِالِاسْتِئْمَانِ , فَالتَّعَرُّضُ بَعْدَ ذَلِكَ يَكُونُ غَدْرًا وَالْغَدْرُ حَرَامٌ , إلَّا إذَا غَدَرَ بِهِ مَلِكُهُمْ , فَأَخَذَ أَمْوَالَهُ أَوْ حَبَسَهُ , أَوْ فَعَلَ ذَلِكَ غَيْرُ الْمَلِكِ بِعِلْمِ الْمَلِكِ وَلَمْ يَمْنَعْهُ ; لِأَنَّهُمْ هُمْ الَّذِينَ نَقَضُوا الْعَهْدَ , بِخِلَافِ الْأَسِيرِ ; لِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَامَنٍ , فَيُبَاحُ لَهُ التَّعَرُّضُ لِلْمَالِ وَالدَّمِ , وَإِنْ أَطْلَقُوهُ طَوْعًا. ب - فِي حَالَةِ عَدَمِ الْعَهْدِ وَالْأَمَانِ: 15 - فِي حَالِ الْحَرْبِ يَجُوزُ بِالِاتِّفَاقِ إتْلَافُ أَشْجَارِ الْعَدُوِّ , وَذَبْحُ مَوَاشِيهِمْ , وَإِتْلَافُ سَائِرِ أَمْوَالِهِمْ إنْ كَانَ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ , كَإِتْلَافِ مَا يَتَقَوَّوْنَ بِهِ مِنْ الْآلِيَّاتِ وَالْحُصُونِ وَالسِّلَاحِ وَالْخَيْلِ , وَإِتْلَافِ الشَّجَرِ الَّذِي يَسْتَتِرُونَ بِهِ , أَوْ يَعُوقُ الْعَمَلِيَّاتِ الْحَرْبِيَّةَ , أَوْ يَحْتَاجُ الْمُسْلِمُونَ لِقَطْعِهِ لِتَوْسِيعِ طَرِيقٍ , أَوْ تَمَكُّنٍ مِنْ سَدِّ ثُغْرَةٍ , أَوْ احْتَاجُوا إلَيْهِ لِلْأَكْلِ , أَوْ يَكُونُ الْكُفَّارُ يَفْعَلُونَ بِنَا ذَلِكَ , فَنَفْعَلُ بِهِمْ مِثْلَهُ لِيَنْتَهُوا , فَهَذَا يَجُوزُ بِغَيْرِ خِلَافٍ. وَأَمَّا إتْلَافُ ذَلِكَ لِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ إلَّا لِمُغَايَظَةِ الْكُفَّارِ وَالْإِضْرَارِ بِهِمْ وَالْإِفْسَادِ عَلَيْهِمْ , فَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ. فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ فِي الْأَشْجَارِ وَالزُّرُوعِ: إلَى أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ ; لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ} . وقوله تعالى {وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ} , لَكِنْ قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: هَذَا إذَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُمْ مَاخُوذُونَ بِغَيْرِ ذَلِكَ , فَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ أَنَّهُمْ مَغْلُوبُونَ , وَأَنَّ الْفَتْحَ بَادٍ (أَيْ ظَاهِرٌ قَرِيبٌ) كُرِهَ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ إفْسَادٌ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْحَاجَةِ , وَمَا أُبِيحَ إلَّا لَهَا. وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ وَأَبُو ثَوْرٍ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ إتْلَافٌ مَحْضٌ.
ز - إتْلَافُ الْأَمْوَالِ:
35 -إذَا اسْتَعَدَّ الْكُفَّارُ أَوْ تَحَصَّنُوا لِقِتَالِ الْمُسْلِمِينَ , فَإِنَّنَا نَسْتَعِينُ بِاَللَّهِ وَنُحَارِبُهُمْ لِنَظْفَرَ بِهِمْ , وَإِنْ أَدَّى ذَلِكَ إلَى إتْلَافِ أَمْوَالِهِمْ , إلَّا إذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ الظَّفَرُ بِهِمْ مِنْ غَيْرِ إتْلَافٍ لِأَمْوَالِهِمْ فَيُكْرَهُ فِعْلُ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ إفْسَادٌ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْحَاجَةِ , وَمَا أُبِيحَ إلَّا لَهَا ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ كَسْرُ شَوْكَتِهِمْ , وَإِلْحَاقُ الْغَيْظِ بِهِمْ , فَإِذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ حُصُولُ ذَلِكَ بِدُونِ إتْلَافٍ , وَأَنَّهُ يَصِيرُ لَنَا لَا نُتْلِفُهُ. وَأَمَّا قَطْعُ شَجَرِهِمْ وَزَرْعِهِمْ , فَإِنَّ الشَّجَرَ وَالزَّرْعَ يَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: أَحَدَهَا: مَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَى إتْلَافِهِ كَاَلَّذِي يَقْرُبُ مِنْ حُصُونِهِمْ وَيَمْنَعُ مِنْ قِتَالِهِمْ , أَوْ يَسْتَتِرُونَ بِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ , أَوْ يَحْتَاجُ إلَى قَطْعِهِ لِتَوْسِعَةِ طَرِيقٍ أَوْ غَيْرِهِ , أَوْ يَكُونُونَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِنَا فَيُفْعَلُ بِهِمْ ذَلِكَ ; لِيَنْتَهُوا , فَهَذَا يَجُوزُ بِغَيْرِ خِلَافٍ. الثَّانِيَ: مَا يَتَضَرَّرُ الْمُسْلِمُونَ بِقَطْعِهِ لِكَوْنِهِمْ يَنْتَفِعُونَ بِبَقَائِهِ لِعَلُوفَتِهِمْ , أَوْ يَسْتَظِلُّونَ بِهِ , أَوْ يَاكُلُونَ مِنْ ثَمَرِهِ , فَهَذَا يَحْرُمُ قَطْعُهُ ; لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِضْرَارِ بِالْمُسْلِمِينَ. الثَّالِثَ: مَا عَدَا هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ مِمَّا لَا ضَرَرَ فِيهِ بِالْمُسْلِمِينَ , وَلَا نَفْعَ سِوَى غَيْظِ الْكُفَّارِ وَالْإِضْرَارِ بِهِمْ , فَفِيهِ رِوَايَتَانِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: إحْدَاهُمَا: يَجُوزُ , وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا , وَقَدْ رَوَى ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما {أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَرَقَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ} , وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ} . وَالثَّانِيَةُ: لَا يَجُوزُ. لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه أَنَّهُ قَدِمَ عَلَيْهِ ابْنِ أَخِيهِ مِنْ غَزْوَةٍ غَزَاهَا , فَقَالَ: