فهرس الكتاب

الصفحة 728 من 1045

لَعَلَّك حَرَقْت حَرْثًا؟ قَالَ: نَعَمْ , قَالَ: لَعَلَّك غَرَّقْت نَخْلًا؟ قَالَ: نَعَمْ , قَالَ: لَعَلَّك قَتَلْت صَبِيًّا؟ قَالَ: نَعَمْ , قَالَ: لِتَكُنْ غَزْوَتُك كَفَافًا. وَلِأَنَّ فِي ذَلِكَ إتْلَافًا مَحْضًا , فَلَمْ يَجُزْ كَعَقْرِ الْحَيَوَانِ , وَبِهَذَا قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ , وَأَبُو ثَوْرٍ. وَأَمَّا الْحَيَوَانَاتُ فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ يَجُوزُ قَتْلُهَا حَالَةَ الْحَرْبِ ; لِأَنَّ قَتْلَ بَهَائِمِهِمْ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى قَتْلِهِمْ وَهَزِيمَتِهِمْ , وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ الْأَرْجَحَ وُجُوبُ حَرْقِ الْحَيَوَانَاتِ بَعْدَ قَتْلِهَا إنْ اسْتَحَلُّوا أَكْلَ الْمَيْتَةِ فِي دِينِهِمْ , وَقِيلَ: إنْ كَانُوا يَرْجِعُونَ إلَيْهَا قَبْلَ فَسَادِهَا , وَجَبَ التَّحْرِيقُ , وَإِلَّا لَمْ يَجِبْ ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ عَدَمُ انْتِفَاعِهِمْ بِهِ وَقَدْ حَصَلَ. وَأَمَّا فِي غَيْرِ حَالَةِ الْحَرْبِ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إلَى أَنَّهُ يَجُوزُ عَقْرُ دَوَابِّهِمْ , لِأَنَّ فِيهِ غَيْظًا لَهُمْ وَإِضْعَافًا لِقُوَّتِهِمْ , فَأَشْبَهَ قَتْلَهَا حَالَ قِتَالِهِمْ. وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ مُطْلَقًا , لِنَهْيِهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ قَتْلِ الْحَيَوَانِ صَبْرًا , وَلِقَوْلِ الصِّدِّيقِ لِيَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ وَهُوَ يُوصِيهِ: وَلَا تَعْقِرَنَّ شَجَرًا مُثْمِرًا , وَلَا دَابَّةً عَجْمَاءَ وَلَا شَاةً إلَّا لِمَاكَلَةٍ. وَلِأَنَّهُ إفْسَادٌ يَدْخُلُ فِي عُمُومِ قوله تعالى: {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا , وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} . وَيَجُوزُ عَقْرُ الْحَيَوَانَاتِ لِلْأَكْلِ إنْ كَانَتْ الْحَاجَةُ دَاعِيَةً إلَى ذَلِكَ , لِأَنَّ الْحَاجَةَ تُبِيحُ مَالَ الْمَعْصُومِ , فَمَالُ الْكَافِرِ أَوْلَى , وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الْحَاجَةُ دَاعِيَةً إلَيْهِ نَظَرْنَا: فَإِنْ كَانَ الْحَيَوَانُ لَا يُرَادُ إلَّا لِلْأَكْلِ كَالدَّجَاجِ , وَالْحَمَامِ , وَسَائِرِ الطَّيْرِ , وَالصَّيْدِ , فَحُكْمُهُ حُكْمُ الطَّعَامِ , لِأَنَّهُ لَا يُرَادُ لِغَيْرِ الْأَكْلِ , وَتَقِلُّ قِيمَتُهُ , فَأَشْبَهَ الطَّعَامَ , وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الْقِتَالِ لَمْ يُبَحْ ذَبْحُهُ إلَّا لِلْأَكْلِ. 36 - وَفِي تَغْرِيقِ النَّحْلِ وَتَحْرِيقِهِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَقْوَالٍ: ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَعَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْهُمْ الْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ , إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَغْرِيقُ النَّحْلِ وَتَحْرِيقُهُ , لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ لِيَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ وَهُوَ يُوصِيهِ: وَلَا تُحَرِّقْ نَحْلًا وَلَا تُغْرِقَنَّهُ. وَلِأَنَّهُ إفْسَادٌ فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ قوله تعالى: {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} . وَلِأَنَّهُ حَيَوَانٌ ذُو رُوحٍ , فَلَمْ يَجُزْ قَتْلُهُ لِغَيْظِ الْمُشْرِكِينَ. وَمُقْتَضَى مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ إبَاحَتُهُ ; لِأَنَّ فِيهِ غَيْظًا لَهُمْ , وَإِضْعَافًا فَأَشْبَهَ قَتْلَ بَهَائِمِهِمْ حَالَ قِتَالِهِمْ. وَفَصَّلَ الْمَالِكِيَّةُ الْقَوْلَ فِيهِ , فَقَالُوا: إنْ قَصَدَ بِإِتْلَافِهَا أَخْذَ عَسَلِهَا كَانَ إتْلَافُهَا جَائِزًا قَلَّتْ أَوْ كَثُرَتْ اتِّفَاقًا , وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ أَخْذَ عَسَلِهَا , فَإِنْ قَلَّتْ كُرِهَ إتْلَافُهَا , وَإِنْ كَثُرَ فَيَجُوزُ فِي رِوَايَةٍ مَعَ الْكَرَاهَةِ , وَفِي رِوَايَةٍ لَا يَجُوزُ , وَإِنَّمَا جَازَ فِي حَالِ الْكَثْرَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ النِّكَايَةِ لَهُمْ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت