وُقُوعِ الضَّرَرِ عَلَى أَكْثَرِ الْمُسْلِمِينَ فَكَذَلِكَ يَجُوزُ رَمْيُهُمْ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ , لِأَنَّهَا حَالَةُ ضَرُورَةٍ أَيْضًا , وَتَسْقُطُ حُرْمَةُ التُّرْسِ. وَيَقُولُ الصَّاوِيُّ الْمَالِكِيُّ: وَلَوْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ الْمُتَتَرَّسُ بِهِمْ أَكْثَرَ مِنْ الْمُجَاهِدِينَ. وَفِي وَجْهٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لَا يَجُوزُ , وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّ مُجَرَّدَ الْخَوْفِ لَا يُبِيحُ الدَّمَ الْمَعْصُومَ , كَمَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ إذَا كَانَ الْخَوْفُ عَلَى بَعْضِ الْغَازِينَ فَقَطْ. 65 - وَأَمَّا فِي حَالَةِ الْحِصَارِ الَّذِي لَا خَطَرَ فِيهِ عَلَى جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ , لَكِنْ لَا يُقْدَرُ عَلَى الْحَرْبِيِّينَ إلَّا بِرَمْيِ التُّرْسِ , فَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ , وَالشَّافِعِيَّةِ , وَجُمْهُورِ الْحَنَابِلَةِ , وَالْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى الْمَنْعِ , لِأَنَّ الْإِقْدَامَ عَلَى قَتْلِ الْمُسْلِمِ حَرَامٌ , وَتَرْكُ قَتْلِ الْكَافِرِ جَائِزٌ. أَلَا يُرَى أَنَّ لِلْإِمَامِ أَلَّا يَقْتُلَ الْأُسَارَى لِمَنْفَعَةِ الْمُسْلِمِينَ , فَكَانَ مُرَاعَاةُ جَانِبِ الْمُسْلِمِ أَوْلَى مِنْ هَذَا الْوَجْهِ , وَلِأَنَّ مَفْسَدَةَ قَتْلِ الْمُسْلِمِ فَوْقَ مَصْلَحَةِ قَتْلِ الْكَافِرِ. وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْحَنَفِيَّةِ , وَالْقَاضِي مِنْ الْحَنَابِلَةِ إلَى جَوَازِ رَمْيِهِمْ , وَعَلَّلَ الْحَنَفِيَّةُ ذَلِكَ بِأَنَّ فِي الرَّمْيِ دَفْعَ الضَّرَرِ الْعَامِّ , وَأَنَّهُ قَلَّمَا يَخْلُو حِصْنٌ عَنْ مُسْلِمٍ , وَاعْتَبَرَ الْقَاضِي مِنْ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ قَبِيلِ الضَّرُورَةِ.
تَتَرُّسٌ التَّعْرِيفُ:
1 -التَّتَرُّسُ فِي اللُّغَةِ: التَّسَتُّرُ بِالتُّرْسِ , وَالِاحْتِمَاءُ بِهِ وَالتَّوَقِّي بِهِ. وَكَذَلِكَ التَّتْرِيسُ , يُقَالُ: تَتَرَّسَ بِالتُّرْسِ , أَيْ تَوَقَّى وَتَسَتَّرَ بِهِ. كَمَا فِي حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: {كَانَ أَبُو طَلْحَةَ يَتَتَرَّسُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِتُرْسٍ وَاحِدٍ} وَيُقَالُ أَيْضًا: تَتَرَّسَ بِالشَّيْءِ جَعَلَهُ كَالتُّرْسِ وَتَسَتَّرَ بِهِ , وَمِنْهُ: تَتَرَّسَ الْكُفَّارُ بِأَسَارَى الْمُسْلِمِينَ وَصِبْيَانِهِمْ أَثْنَاءَ الْحَرْبِ. وَلَا يَخْرُجُ الِاسْتِعْمَالُ الْفِقْهِيُّ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى. (الْأَلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ) : التَّحَصُّنُ: 2 - مِنْ مَعَانِي التَّحَصُّنِ: الِاحْتِمَاءُ بِالْحِصْنِ , يُقَالُ: تَحَصَّنَ الْعَدُوُّ: إذَا دَخَلَ الْحِصْنَ وَاحْتَمَى بِهِ , فَالتَّحَصُّنُ نَوْعٌ مِنْ التَّسَتُّرِ وَالتَّوَقِّي أَثْنَاءَ الْحَرْبِ. (الْحُكْمُ الْإِجْمَالِيُّ وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ) : 3 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ رَمْيُ الْكُفَّارِ إذَا تَتَرَّسُوا بِالْمُسْلِمِينَ وَأَسَارَاهُمْ أَثْنَاءَ الْقِتَالِ أَوْ حِصَارِهِمْ مِنْ قِبَلِ الْمُسْلِمِينَ , إذَا دَعَتْ الضَّرُورَةُ إلَى ذَلِكَ , بِأَنْ كَانَ فِي الْكَفِّ عَنْ قِتَالِهِمْ انْهِزَامٌ لِلْمُسْلِمِينَ , وَالْخَوْفُ عَلَى اسْتِئْصَالِ قَاعِدَةِ الْإِسْلَامِ. وَيُقْصَدُ بِالرَّمْيِ الْكُفَّارُ. وَلَكِنْ إذَا لَمْ تَدْعُ ضَرُورَةٌ إلَى رَمْيِهِمْ لِكَوْنِ الْحَرْبِ غَيْرَ قَائِمَةٍ , أَوْ لِإِمْكَانِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ بِدُونِهِ , فَلَا يَجُوزُ رَمْيُهُمْ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ , وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ. وَيَجُوزُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ - مَا عَدَا الْحَسَنَ بْنَ زِيَادٍ - لِأَنَّ فِي الرَّمْيِ دَفْعَ الضَّرَرِ الْعَامِّ بِالدَّفْعِ عَنْ مُجْتَمَعِ الْإِسْلَامِ , إلَّا أَنَّهُ عَلَى الرَّامِي أَلَّا يَقْصِدَ بِالرَّمْيِ إلَّا الْكُفَّارَ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إلَى أَنَّهُمْ يُقَاتَلُونَ , وَلَا يَقْصِدُونَ الْمُتَتَرَّسَ بِهِمْ , إلَّا إذَا كَانَ فِي عَدَمِ رَمْيِ الْمُتَتَرَّسِ بِهِمْ خَوْفٌ عَلَى أَكْثَرِ الْجَيْشِ الْمُقَاتِلِينَ لِلْكُفَّارِ , فَتَسْقُطُ حُرْمَةُ التُّرْسِ , سَوَاءٌ أَكَانَ عَدَدُ الْمُسْلِمِينَ الْمُتَتَرَّسُ بِهِمْ أَكْثَرَ مِنْ الْمُجَاهِدِينَ أَمْ أَقَلَّ , وَكَذَلِكَ لَوْ تَتَرَّسُوا بِالصَّفِّ , وَكَانَ فِي تَرْكِ قِتَالِهِمْ انْهِزَامٌ لِلْمُسْلِمِينَ. وَعَلَى هَذَا فَإِنْ أُصِيبَ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ نَتِيجَةَ الرَّمْيِ وَقُتِلَ , وَعُلِمَ الْقَاتِلُ , فَلَا دِيَةَ وَلَا كَفَّارَةَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ , لِأَنَّ الْجِهَادَ فَرْضٌ , وَالْغَرَامَاتُ لَا تُقْرَنُ بِالْفَرَائِضِ , خِلَافًا لِلْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ , فَإِنَّهُ يَقُولُ بِوُجُوبِ الدِّيَةِ وَالْكَفَّارَةِ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إلَى أَنَّ فِيهِ الْكَفَّارَةَ قَوْلًا وَاحِدًا. أَمَّا الدِّيَةُ فَفِيهَا عَنْهُمْ قَوْلَانِ. فَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: إنْ