ينفعه ذلك بمجرد دعواه كما روى أن العباس ابن عبد المطلب قال للنبي صلى الله عليه وسلم لما أسره المسلمون يوم بدر يا رسول الله إني كنت مكرها فقال: (أما ظاهرك فكان علينا وأما سريرتك فإلى الله) بل لو كان فيهم قوم صالحون من خيار الناس ولم يمكن قتالهم إلا بقتل هؤلاء لقتلوا أيضا، فإن الأئمة متفقون على أن الكفار لو تترسوا بمسلمين وخيف على المسلمين إذا لم يقاتلوا فإنه يجوز أن نرميهم ونقصد الكفار ولو لم نخف على المسلمين جاز رمى أولئك المسلمين أيضا في أحد قولي العلماء) مجموع الفتاوى (28/ 537،539،538)
12ـ وقال ابن تيمية رحمه الله: (وقد اتفق العلماء على أن جيش الكفار إذا تترسوا بمن عندهم من أسرى المسلمين وخيف على المسلمين الضرر إذا لم يقاتلوا فإنهم يقاتلون وإن أفضى ذلك إلى قتل المسلمين الذين تترسوا بهم) . مجموع الفتاوى (28/ 546) و (20/ 52)
13ـ وقال عبد القادر عبد العزيز بارك الله فيه كلامًا رائعًا حول هذه المسألة وفصل تفصيلًا واسعًا في معرض رده على شبهة القائلين باشتراط التميز بين المسلمين والكافرين في الدور في القتال ننقله بتمامه لأهميته قال: (ولا يشترط لوجوب قتالهم تَمَيّز المسلمين المجاهدين في دار منفصلة عن دار الحاكم المرتد وطائفته كما يَدَّعيه البعض، ويكفيك في إبطال هذا الشرط ما نقلته عن ابن تيمية آنفا من الإجماع على وجوب قتال العدو إذا حل ببلد المسلمين، فأين الدار المستقلة هنا؟، بل إن هذا هو أحد مواضع تَعَيَّن الجهاد كما ذكرته ولم يرد دليل شرعي بهذا الشرط وكل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، ولم يشر أحد من أهل العلم إليه، غاية ما ذكره ابن قدامة في هذا أنه إذا اقترب العدو من بلد جاز لأهله الرجوع إلى حصن يَتَحَصَّنون به. أما أمر الحاكم الكافر المرتد ففيه نص واضح جليّ، وهو حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه:(وَأَلا نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ قَالَ إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ) متفق عليه، ولم يشترط صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث ـ ولا في غيره ـ تَمَيُّزًا ولا مفاصلة، ولا نبه أحد من أهل العلم على هذا كما نقلته عن القاضي عياض وابن حجر في شرح هذا الحديث. فإن قال الذي اشترط هذا الشرط (تَمَيُّز الدارين) إنه يجب عقلا لا شرعا، فنقول له العقل لا يوجب شيئا كما ذكرنا في أصول الإعتصام بالكتاب والسنة، وإن قال إنه أمر اجتهادي، فنقول له إذا وصلنا إلى الاجتهاد فالأمر متروك لأهل الخبرة الحربية لقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) النساء، الآية: 58، أما من الناحية الشرعية فنحن نقول إنه لا يشترط لوجوب الخروج على الحاكم إلا القدرة من عدد وعدة، وهذه أيضا يحدد القدر المطلوب منها أهل الخبرة الحربية، ومن غَرّر بنفسه وخرج للجهاد بمفرده جاز له ذلك وهو مأجور إن شاء الله تعالى، إلا إذا كان يتبع طائفة مجاهدة فلا يخرج إلا بإذن الأمير أما دليل جواز خروجه منفردا فهو قول الله تعالى: (فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضْ الْمُؤْمِنِينَ) سورة النساء، الآية: 84، وقال ابن حزم: (ويُغْزى أهل الكفر مع كل فاسق من الأمراء وغير فاسق ومع المتغلِّب والمحارب كما يُغْزَى مع الإمام ويغزوهم المرء وحده إن قدر أيضا) .