فهرس الكتاب

الصفحة 749 من 1045

قلت: وجهاد هؤلاء الطواغيت فرض عين فللمرء أن يفعله وحده إن أراد، خاصة إذا أمكنته الفرصة من أحد هؤلاء، ولا يجب عليه التصدي لجمع عظيم من الكافرين بل يجوز له الفرار للتفاوت العددي، فإن ثبت وكان له غرض في الشهادة جاز له ذلك وهو حسن، قال تعالى: (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ) سورة البقرة، الآية: 207، أما الواجب فهو قتالهم في جماعة، إذ المطلوب إظهار الدين (وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ) الأنفال، الآية: 39، وهذا لا يتأتى بالقتال منفردًا، ومن كان يتبع جماعة مجاهدة فلا يقاتل إلا بإذن أميره، قال تعالى: (وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَاذِنُوهُ) النور، الآية: 62، وقد خرج جماعة من المسلمين على الحكام المرتدين في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعده، دون تَمَيُّز في الديار أو مفاصلة، فلما خرج الأسود العنسي المتنبي الكذاب وغلب على اليمن واستولى عليها احتال عليه فَيْروز الديلمي ـ وكان من أنصاره في الظاهر ـ حتى قتله، وذلك في حياة النبي صلى الله عليه وسلم. ولم ينكر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من الصحابة، وما قال أحد كيف يقتل فيروز هذا الأسود قبل أن ينحاز إلى أرض مستقلة؟ كذلك خرج يزيد بن الوليد وطائفة معه على الخليفة الوليد بن يزيد لما اتُّهِم بالانحلال في الدين حتى قتلوه، دون تَمَيُّز في الديار. ونقتصر على هذين المثلين اختصارا.

وأصحاب هذه الشبهة يستدلون بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يَشْرَع في القتال إلا بعد الهجرة، حيث أصبح للمسلمين دار مستقلة بالمدينة تميزوا فيها عن عدوهم.

وهذا القول ليس بحجة إذ ليس فيه حصر، بمعنى أنه لم يرد نص شرعي يمنع القتال إلا في مثل هذه الحالة، وهذا واضح. ثم إن هذا الزمان كان زمان تشريع أما الآن ومنذ وفاة النبي صلى الله عليه وسلم فقد اكتملت الشريعة وأحكامها (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) المائدة، الآية: 3، وقد انعقد الإجماع على أنه إذا نزل العدو الكافر ببلد تَعَيَّن على أهله قتالهم ـ أي صار دفع الكافرين فرض عين على المسلمين بهذه البلدة ـ فهاهم المسلمون وعدوهم في دار واحدة، وقد فقد المسلمون استقلالية دارهم بالغزو، ومع ذلك يجب عليهم القتال عَيْنًا إجماعا.

إن الخروج على الحاكم المرتد هو أمر منوط بالقدرة، ويختلف من بلد إلى بلد، ويتكلم فيه أهل الخبرة من الناحية التنفيذية، وإذا علم الله سبحانه حسن النية من طائفة مجاهدة فسيهديهم وييسر لهم ما فيه مرضاته، قال تعالى: (فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ) الفتح، الآية: 18، وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ) يونس، الآية: 9.

أما القاعدون عن هذا الجهاد المتعين فلم يكتفوا بالقعود بل هم يثبطون غيرهم ويخذلونهم بهذه الشبهات التي هي عقوبة قدرية لهم على قعودهم وتخلفهم، كما قال تعالى: (رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ) التوبة، الآية: 87، فلما تخلفوا طَبَع الله على قلوبهم بعدم الفقه فأخذوا يُنَقِّبون عن الشبهات ليبرروا تخلفهم وليثبطوا غيرهم فيحملوا أوزارهم مع أوزارهم. وهكذا سيئة تولِّد سيئة،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت