فهرس الكتاب

الصفحة 750 من 1045

قال تعالى: (إِلا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ إِلا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ) التوبة، الآية: 39 ـ 40.

إن هذا القول باشتراط تَمَيُّز الدارين لوجوب الجهاد هو قول فاسد، وهو يفضي إلى تعطيل الجهاد خاصة جهاد الدفع. قلت: كذلك فإن هذا القول باشتراط تميز الدارين معناه الإستسلام للأمر الواقع والسكوت عن هؤلاء الطواغيت الحاكمين لبلاد المسلمين، ومعناه إسقاط فريضة الجهاد المتعين على أعيان المسلمين بهذه البلاد، وهذا القول يفضي إلى استئصال الإسلام بالكلية من هذه البلاد في زمن يسير. نعوذ بالله من ذلك ـ ولكنه غير مستبعد ـ فكم من بلاد قامت بها ممالك إسلامية عظيمة ثم هي اليوم ديار كُفْر، صار فيها الإسلام أثرا بعد عين، كالأندلس والتركستان وبخارى وسمرقند والبلقان وغيرها، وكم من بلاد أَسْقَط فيها أشياع هؤلاء المخذلين الجهاد بشبهاتهم الشيطانية، كما حدث في الهند وكانت مملكة إسلامية فاحتلها الإنجليز، وأسقط علماء السوء الجهاد بحجة أن الإنجليز هم أولوا الأمر الواجب طاعتهم لقوله تعالى: (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ) ، ولله الأمر من قبل ومن بعد. وهذا مثال لما رُوِي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه مما يهدم الدين: (جدال المنافق بالقرآن) . ومن كان من العلماء يصد المسلمين عن الجهاد بهذه الشبهات ممالأة ونصرة للحاكم الكافر فهذا العالِم لاشك في كُفْره، هو مرتد خارج من ملة الإسلام، وحكمه حُكْم سيده الحاكم، قال تعالى: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) المائدة، الآية: 51.

ويشترط آخرون تميز الطائفة الكافرة عمن يخالطها من المسلمين، وهذا واقع فالطائفة المناصرة للحاكم الكافر عادة ما تكون متميزة بلباس معين ولها معسكرات محددة وأماكن معلومة، وهذا لا يخفى على أحد. وأما إذا خالطهم مسلمون، فإما أن يكونوا ليسوا من الطائفة الكافرة أصلا وخالطوهم حال القتال، وإما أن يكونوا من الطائفة ولهم حكم الإسلام في الباطن (كالمكره ومن يكتم إيمانه ليتجسس عليهم) ، وهؤلاء جميعا لا يخلو حالهم من أحد أمرين:

الأول: أن يكونوا غير متميزين عن أهل الكفر في الظاهر، فهذا لا يمنع من قتالهم على كل حال كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية قال: (ومن أخرجوه معهم مكرها فإنه يبعث على نيته ونحن علينا أن نقاتل العسكر جميعه، إذ لا يتميز المُكْرَه من غيره. وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:(يَغْزُو هذا البيتَ جيشٌ من الناس فبينما هم ببيداء من الأرض إذا خُسِفَ بهم. فقيل يا رسول الله: إن فيهم المُكْرَه، فقال: يُبعثون على نياتهم) ـ إلى أن قال ـ وفي لفظ البخاري عن عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يَغْزُو جَيْشٌ الْكَعْبَةَ فَإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الأَرْضِ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ قَالَتْ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ وَفِيهِمْ أَسْوَاقُهُمْ وَمَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ قَالَ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ ثُمَّ يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ) ـ إلى أن قال ـ فالله تعالى أَهلَكَ الجيش الذي أراد أن ينتهك حرماته ـ المكره فيهم وغير المكره مع قدرته على التميِيزِ بينهم مع أنه يبعثهم على نياتهم، فكيف يجب على المؤمنين المجاهدين أن يميزوا بين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت