فهرس الكتاب

الصفحة 764 من 1045

عَنْ الْمُنْكَرِ حَيْثُ يُشْرَعُ التَّغْيِيرُ بِالْيَدِ ثُمَّ الْإِنْكَارُ بِاللِّسَانِ , مَعَ خَوْفِ الضَّرَرِ , أَعْظَمَ دَرَجَةً مِنْ السُّكُوتِ , إذْ أَنَّ ذَلِكَ نَوْعٌ مِنْ الْجِهَادِ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي حِكَايَةِ قَوْلِ لُقْمَانَ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ {يَا بُنَيَّ أَقِمْ الصَّلَاةَ وَامُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَك إنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} وَفِي الْحَدِيثِ:

{أَفْضَلُ الشُّهَدَاءِ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ثُمَّ رَجُلٌ قَامَ إلَى إمَامٍ جَائِرٍ فَأَمَرَهُ وَنَهَاهُ فَقُتِلَ} .

28 -وَتَعْظُمُ دَرَجَةُ الْآمِرِ وَالنَّاهِي إنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ , بِأَنْ نَكَلَ عَنْ الْبَيَانِ مَنْ سِوَاهُ , حَتَّى عَمَّ الْمُنْكَرُ وَظَهَرَ , وَخَاصَّةً فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّلْبِيسِ فِي الدِّينِ وَطَمْسِ , مَعَالِمِهِ , فَلَوْ أَخَذَ جَمِيعُ الْعُلَمَاءِ بِالتَّقِيَّةِ , وَلَمْ يَقُمْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِوَاجِبِ الْبَيَانِ لَظَهَرَتْ الْبِدْعَةُ وَعَمَّتْ , وَتَبَدَّلَتْ الشَّرِيعَةُ فِي أَعْيُنِ النَّاسِ وَقَدْ أُخِذَ الْعُلَمَاءُ فِي عَهْدِ الْمَامُونِ وَالْمُعْتَصِمِ وَامْتُحِنُوا لِيَقُولُوا بِخَلْقِ الْقُرْآنِ وَكَانَ ذَلِكَ بِمَشُورَةٍ مِنْ بَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ. فَلَمَّا هُدِّدَ الْعُلَمَاءُ وَأُوذُوا قَالُوا بِذَلِكَ فَتُرِكُوا , وَلَمْ يَثْبُتْ مِنْهُمْ فِي الْمِحْنَةِ إلَّا أَرْبَعَةٌ أَوْ خَمْسَةٌ مَاتَ بَعْضُهُمْ فِي السِّجْنِ. وَنُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ أَيَّامَ مِحْنَتِهِ فِي خَلْقِ الْقُرْآنِ أَنَّهُ سُئِلَ: إنْ عُرِضْت عَلَى السَّيْفِ تُجِيبُ؟ قَالَ: لَا , وَقَالَ: إذَا أَجَابَ الْعَالِمُ تَقِيَّةً , وَالْجَاهِلُ يَجْهَلُ , فَمَتَى يَتَبَيَّنُ الْحَقُّ؟. وَكَانَ أَبُو يَعْقُوبَ الْبُوَيْطِيُّ صَاحِبُ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ مِمَّنْ اُمْتُحِنَ فَصَبَرَ كَذَلِكَ وَلَمْ يُجِبْ إلَى مَا طَلَبُوهُ مِنْهُ فِي فِتْنَةِ الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ , لَمَّا وُشِيَ بِهِ. وَقَدْ قَالَ لَهُ أَمِيرُ مِصْرَ الَّذِي كُلِّفَ بِمِحْنَتِهِ: قُلْ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَك. قَالَ: إنَّهُ يَقْتَدِي بِي مِائَةُ أَلْفٍ وَلَا يَدْرُونَ مَا الْمَعْنَى. وَقَدْ أَمَرَ بِحَمْلِهِ مِنْ مِصْرَ إلَى بَغْدَادَ فِي الْحَدِيدِ , وَمَاتَ فِي السِّجْنِ بِبَغْدَادَ فِي الْقَيْدِ وَالْغُلِّ رحمه الله وَكَانَ لِثَبَاتِ أَحْمَدَ وَالْبُوَيْطِيِّ وَمَنْ مَعَهُمَا أَثَرُهُ فِي تَرَاجُعِ الْخِلَافَةِ عَنْ ذَلِكَ الْمَنْهَجِ , وَانْكَسَرَتْ بِسَبَبِ ذَلِكَ شَوْكَةُ الْمُعْتَزِلَةِ.

29 -وَلَيْسَ لِلْعَالِمِ أَنْ يَنْطِقَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَهُوَ يَعْلَمُ , وَلَا رُخْصَةَ لَهُ فِي ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّقِيَّةِ مُطْلَقًا , إنْ كَانَ السُّكُوتُ كَافِيًا لِنَجَاتِهِ , لِعَدَمِ تَحَقُّقِ شَرْطِ جَوَازِ التَّقِيَّةِ حِينَئِذٍ. وَفِي ذَلِكَ مِنْ الْمَحْذُورِ أَيْضًا الْخَوْفُ مِنْ أَنْ يَخْفَى الْحَقُّ عَلَى الْجَاهِلِينَ أَوْ يَضْعُفَ إيمَانُهُمْ وَيَحْجُمُوا عَنْ نَصْرِ حَقِّهِمْ اقْتِدَاءً بِمَنْ أَجَابَ تَقِيَّةً فَيَظُنُّوا جَوَابَهُ هُوَ الْجَوَابُ , وَهُمْ غَافِلُونَ عَنْ مُرَادِهِ وَأَنَّهُ قَصَدَ التَّقِيَّةَ.

مَا يَنْبَغِي لِلْآخِذِ بِالتَّقِيَّةِ أَنْ يُرَاعِيَهُ:

يَنْبَغِي لِمَنْ يَاخُذُ بِالتَّقِيَّةِ أَنْ يُلَاحِظَ أُمُورًا:

30 -مِنْهَا: أَنَّهُ إنْ كَانَ لَهُ مُخَلِّصٌ غَيْرُ ارْتِكَابِ الْحَرَامِ , فَيَجِبُ أَنْ يَلْجَأَ إلَيْهِ , وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يُوَرِّيَ , كَمَنْ أُكْرِهَ عَلَى شَتْمِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَكَرَّمَ وَشَرَّفَ , فَيَنْوِيَ مُحَمَّدًا آخَرَ فَإِنْ خَطَرَتْ بِبَالِهِ التَّوْرِيَةُ وَتَرَكَهَا لَمْ تَكُنْ التَّقِيَّةُ عُذْرًا لَهُ , وَيُعْتَبَرُ كَافِرًا.

31 -وَمِنْهَا: أَنْ يُلَاحِظَ عَدَمَ الِانْسِيَاقِ مَعَ الرُّخْصَةِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ حَدِّ التَّقِيَّةِ إلَى حَدِّ الِانْحِلَالِ بِارْتِكَابِ الْمُحَرَّمِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الضَّرُورَةِ , وَأَصْلُ ذَلِكَ مَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي شَانِ الْمُضْطَرِّ {فَمَنْ اُضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّك غَفُورٌ رَحِيمٌ} فُسِّرَ الْبَاغِي بِمَنْ أَكَلَ الْحَرَامَ وَهُوَ يَجِدُ الْحَلَالَ , وَفُسِّرَ الْعَادِي بِمَنْ أَكَلَ مِنْ الْحَرَامِ فَوْقَ مَا تَقْتَضِيهِ الضَّرُورَةُ. وَقَدْ نَبَّهَ اللَّهُ تَعَالَى فِي شَانِ التَّقِيَّةِ عَلَى ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت