25 -اتَّفَقَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى تَخْيِيرِ إمَامِ الْمُسْلِمِينَ فِي أَسْرَى الْحَرْبِ بَيْنَ خَمْسِ خِصَالٍ: فَإِمَّا أَنْ يَسْتَرِقَّهُمْ , وَإِمَّا أَنْ يَقْتُلَهُمْ , وَإِمَّا أَنْ يَاخُذَ الْجِزْيَةَ مِنْهُمْ , وَإِمَّا أَنْ يَطْلُبَ الْفِدْيَةَ مُقَابِلَ إعْتَاقِهِمْ سَوَاءٌ بِالْمَالِ , أَوْ بِمُفَادَاتِهِمْ بِأَسْرَى الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ فِي أَيْدِي الْكُفَّارِ , وَإِمَّا أَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِمْ فَيُعْتِقَهُمْ. وَاسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ الْخَصْلَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ , وَهُمَا الْفِدَاءُ وَالْمَنُّ , فَقَالُوا بِعَدَمِ جَوَازِ الْمَنِّ , وَعَدَمِ جَوَازِ الْمُفَادَاةِ بِالْمَالِ فِي الْمَشْهُورِ مِنْ الْمَذْهَبِ , أَمَّا الْمُفَادَاةُ بِأَسْرَى الْمُسْلِمِينَ فَلَا يَجُوزُ فِي قَوْلٍ لِأَبِي حَنِيفَةَ , وَجَائِزٌ فِي قَوْلِ الصَّاحِبَيْنِ , وَهُوَ قَوْلٌ لِأَبِي حَنِيفَةَ كَذَلِكَ. وَفِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلَاتٌ يُرْجَعُ إلَيْهَا فِي بَحْثِ (أَسْرَى) . وَدَلِيلُ جَوَازِ أَخْذِ الْجِزْيَةِ قوله تعالى: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهْم صَاغِرُونَ} . وَكَذَلِكَ مَا جَاءَ أَنَّ عُمَرَ رضي الله عنه فَعَلَ ذَلِكَ فِي أَهْلِ السَّوَادِ. 26 - وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ تَخْيِيرِ الْإِمَامِ فِي الْأَسْرَى مَحَلُّهُ فِي الرِّجَالِ الْبَالِغِينَ , أَمَّا النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ فَلَا خِيَارَ فِيهِمْ , وَلَا يُحْكَمُ فِيهِمْ إلَّا بِالِاسْتِرْقَاقِ , وَحُكْمُهُمْ حُكْمُ سَائِرِ أَمْوَالِ الْغَنِيمَةِ. كَمَا فِي سَبَايَا هَوَازِنَ وَخَيْبَرَ وَبَنِي الْمُصْطَلِقِ. وَجَاءَ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ {نَهَى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ} . وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: لِلْإِمَامِ الْخِيَرَةُ فِيهِمْ بَيْنَ الِاسْتِرْقَاقِ وَالْفِدَاءِ. 27 - وَتَخْيِيرُ الْإِمَامِ بَيْنَ هَذِهِ الْخِصَالِ مُقَيَّدٌ بِمَا يَظْهَرُ لَهُ مِنْ الْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ فِي أَحَدِهَا , فَيَخْتَارُ الْأَصْلَحَ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ بَيْنِهَا. فَإِنْ كَانَ الْأَسِيرُ ذَا قُوَّةٍ وَشَوْكَةٍ فَقَتْلُهُ هُوَ الْمَصْلَحَةُ , وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا صَاحِبَ مَالٍ كَانَتْ الْمَصْلَحَةُ فِي أَخْذِ الْفِدْيَةِ مِنْهُ , وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُرْجَى إسْلَامُهُ فَيَمُنُّ عَلَيْهِ تَقْرِيبًا وَتَالِيفًا لِقَلْبِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ. وَإِنْ تَرَدَّدَ نَظَرُ الْإِمَامِ وَرَايُهُ فِي اخْتِيَارِ الْأَصْلَحِ , فَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ الْقَتْلُ أَوْلَى لِمَا فِيهِ مِنْ كِفَايَةِ شَرِّهِمْ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يَحْبِسُهُمْ حَتَّى يَظْهَرَ لَهُ الْأَصْلَحُ. فَالتَّخْيِيرُ فِي تَصَرُّفِ الْإِمَامِ فِي الْأَسْرَى مُقَيَّدٌ بِالْمَصْلَحَةِ بِخِلَافِ التَّخْيِيرِ فِي خِصَالِ الْكَفَّارَةِ ; إذْ هُوَ تَخْيِيرٌ مُطْلَقٌ أُبِيحَ لِلْحَانِثِ بِمُوجِبِهِ أَنْ يَخْتَارَ أَيَّ خَصْلَةٍ دُونَ النَّظَرِ إلَى الْمَصْلَحَةِ. 28 - أَمَّا إذَا اخْتَارَ الْإِمَامُ خَصْلَةً بَعْدَ الِاجْتِهَادِ وَتَقْلِيبِ وُجُوهِ الْمَصَالِحِ , ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ بِالِاجْتِهَادِ أَنَّ الْمَصْلَحَةَ فِي غَيْرِهَا , فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي تُحْفَةِ الْمُحْتَاجِ: الَّذِي يَظْهَرُ لِي فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ لَا بُدَّ مِنْهُ أَوَّلًا: فَإِنْ كَانَتْ رِقًّا لَمْ يَجُزْ لَهُ الرُّجُوعُ عَنْهَا مُطْلَقًا , سَوَاءٌ اسْتَرَقَّهُمْ لِسَبَبٍ أَمْ لِغَيْرِ سَبَبٍ , وَذَلِكَ لِأَنَّ أَهْلَ الْخُمُسِ مَلَكُوهُمْ بِمُجَرَّدِ ضَرْبِ الرِّقِّ , فَلَمْ يَمْلِكْ إبْطَالَهُ عَلَيْهِمْ إلَّا بِرِضَا مَنْ دَخَلُوا فِي مِلْكِهِمْ. وَإِنْ اخْتَارَ الْقَتْلَ جَازَ لَهُ الرُّجُوعُ عَنْهُ تَغْلِيبًا لِحَقْنِ الدِّمَاءِ , كَمَا فِي جَوَازِ رُجُوعِ الْمُقِرِّ بِالزِّنَى وَسُقُوطِ الْقَتْلِ عَنْهُ , بَلْ إنَّ الرُّجُوعَ عَنْ قَتْلِ الْأَسِيرِ أَوْلَى ; لِأَنَّهُ مَحْضُ حَقٍّ لِلَّهِ تَعَالَى , أَمَّا حَدُّ الزِّنَا فَفِيهِ شَائِبَةُ حَقِّ آدَمِيٍّ. أَمَّا إذَا كَانَ مَا اخْتَارَهُ الْإِمَامُ أَوَّلًا هُوَ الْمَنُّ أَوْ الْفِدَاءُ فَلَا يَرْجِعُ عَنْهُ بِاجْتِهَادٍ آخَرَ ; لِأَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ نَقْضِ الِاجْتِهَادِ بِالِاجْتِهَادِ مِنْ غَيْرِ مُوجِبٍ , كَمَا أَنَّ الْحَاكِمَ إذَا اجْتَهَدَ فِي قَضِيَّةٍ فَلَا يَنْقُضُ اجْتِهَادَهُ بِاجْتِهَادٍ آخَرَ. أَمَّا إذَا اخْتَارَ أَحَدَهُمَا لِسَبَبٍ , ثُمَّ زَالَ ذَلِكَ السَّبَبُ , وَظَهَرَتْ الْمَصْلَحَةُ فِي اخْتِيَارِ الثَّانِي لَزِمَهُ الْعَمَلُ بِمَا أَدَّاهُ إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ ثَانِيًا , وَلَيْسَ هَذَا مِنْ قَبِيلِ نَقْضِ الِاجْتِهَادِ بِالِاجْتِهَادِ ; لِأَنَّهُ انْتِقَالٌ إلَى الِاخْتِيَارِ الثَّانِي لِزَوَالِ مُوجِبِ الِاخْتِيَارِ الْأَوَّلِ. وَيُشْتَرَطُ فِي الِاسْتِرْقَاقِ وَالْفِدَاءِ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى