اخْتِيَارِهِمَا , وَلَا يَكْفِي مُجَرَّدُ الْفِعْلِ ; لِأَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ دَلَالَةً صَرِيحَةً. أَمَّا فِي غَيْرِهِمَا مِنْ الْخِصَالِ , فَيَكْفِي الْفِعْلُ لِدَلَالَتِهِ الصَّرِيحَةِ عَلَى اخْتِيَارِهَا.
ج - مَنْ لَا يَجُوزُ قَتْلُهُ فِي الْجِهَادِ:
29 -اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي الْجِهَادِ قَتْلُ النِّسَاءِ , وَالصِّبْيَانِ , وَالْمَجَانِينِ , وَالْخُنْثَى الْمُشْكِلِ , لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه: {أَنَّ امْرَأَةً وُجِدَتْ فِي بَعْضِ مَغَازِي رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَقْتُولَةً , فَنَهَى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ} . وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ قَتْلُ الشُّيُوخِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ , وَبِهِ قَالَ مُجَاهِدٌ ; لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: {لَا تَقْتُلُوا شَيْخًا فَانِيًا , وَلَا طِفْلًا , وَلَا امْرَأَةً} , وَلِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قوله تعالى: {وَلَا تَعْتَدُوا} يَقُولُ:"لَا تَقْتُلُوا النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ , وَالشَّيْخَ الْكَبِيرَ"وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رضي الله عنهما. وَلِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ فَلَا يُقْتَلُ كَالْمَرْأَةِ , وَقَدْ أَوْمَأَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إلَى هَذِهِ الْعِلَّةِ فِي {الْمَرْأَةِ الَّتِي وُجِدَتْ مَقْتُولَةً فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ , فَقَالَ: مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُقَاتِلَ} . وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الْأَظْهَرِ وَابْنُ الْمُنْذِرِ: يَجُوزُ قَتْلُ الشُّيُوخِ ; لِعُمُومِ قوله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: {اُقْتُلُوا شُيُوخَ الْمُشْرِكِينَ وَاسْتَحْيُوا شَرْخَهُمْ} . وَلِأَنَّهُمْ أَحْرَارٌ مُكَلَّفُونَ فَجَازَ قَتْلُهُمْ كَغَيْرِهِمْ. وَالْخِلَافُ فِي قَتْلِ الزَّمِنِ وَالْأَعْمَى وَمَنْ فِي مَعْنَاهُمَا كَيَابِسِ الشِّقِّ , وَمَقْطُوعِ الْيُمْنَى , أَوْ الْمَقْطُوعِ مِنْ خِلَافٍ , كَالْخِلَافِ فِي الشَّيْخِ. وَلَا يُقْتَلُ الرَّاهِبُ فِي صَوْمَعَتِهِ , وَلَا أَهْلُ الْكَنَائِسِ الَّذِينَ لَا يُخَالِطُونَ النَّاسَ , فَإِنْ خَالَطُوا قُتِلُوا كَالْقِسِّيسِ , وَلَا سَائِحَ فِي الْجِبَالِ لَا يُخَالِطُ النَّاسَ. وَاَلَّذِي يُجَنُّ وَيُفِيقُ , يُقْتَلُ فِي حَالِ إفَاقَتِهِ وَإِنْ لَمْ يُقَاتِلْ. وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ الْمَرِيضَ يُقْتَلُ إذَا كَانَ مِمَّنْ لَوْ كَانَ صَحِيحًا قَاتَلَ ; لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْإِجْهَازِ عَلَى الْجَرِيحِ , إلَّا أَنْ يَكُونَ مَايُوسًا مِنْ بُرْئِهِ , فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الزَّمِنِ لَا يُقْتَلُ ; لِأَنَّهُ لَا يَخَافُ مِنْهُ أَنْ يَصِيرَ إلَى حَالٍ يُقَاتِلُ فِيهَا. وَكَذَلِكَ الْفَلَّاحُ الَّذِي لَا يُقَاتِلُ , وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما:"اتَّقُوا اللَّهَ فِي الْفَلَّاحِينَ الَّذِينَ لَا يَنْصِبُونَ لَكُمْ الْحَرْبَ". وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يُقْتَلُ , لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ الْمُشْرِكِينَ. وَصَرَّحَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَتْلُ رَسُولِ الْكُفَّارِ. وَيَجُوزُ قَتْلُ مَنْ قَاتَلَ مِمَّنْ ذَكَرْنَا وَلَوْ امْرَأَةً ; لِأَنَّ {النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَتَلَ يَوْمَ قُرَيْظَةَ امْرَأَةً طَرَحَتْ الرَّحَا عَلَى خَلَّادِ بْنِ سُوَيْدٍ فَقَتَلَتْهُ} . قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: وَلَا نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا , وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ , وَالثَّوْرِيُّ وَاللَّيْثُ ; لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {مَرَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِامْرَأَةٍ مَقْتُولَةٍ يَوْمَ الْخَنْدَقِ , فَقَالَ: مَنْ قَتَلَ هَذِهِ؟ قَالَ رَجُلٌ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: وَلِمَ؟ قَالَ: نَازَعَتْنِي قَائِمَ سَيْفِي. قَالَ: فَسَكَتَ} . وَلِأَنَّ {النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَقَفَ عَلَى امْرَأَةٍ مَقْتُولَةٍ فَقَالَ: مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُقَاتِلَ} وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا نَهَى عَنْ قَتْلِ الْمَرْأَةِ إذَا لَمْ تُقَاتِلْ. وَكَذَلِكَ يُقْتَلُ كُلٌّ مِنْ هَؤُلَاءِ إذَا كَانَ مَلِكًا , أَوْ ذَا رَايٍ يُعِينُ فِي الْحَرْبِ ; لِأَنَّ دُرَيْدَ بْنَ الصِّمَّةِ قُتِلَ يَوْمَ حُنَيْنٍ وَهُوَ شَيْخٌ لَا قِتَالَ فِيهِ , وَكَانُوا خَرَجُوا بِهِ يَتَيَمَّنُونَ بِهِ وَيَسْتَعِينُونَ بِرَايِهِ , فَلَمْ يُنْكِرْ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَتْلَهُ , وَلِأَنَّ الرَّايَ مِنْ أَعْظَمِ الْمَعُونَةِ فِي الْحَرْبِ. أَمَّا الْأَخْرَسُ وَالْأَصَمُّ , وَأَقْطَعُ الْيَدِ الْيُسْرَى , أَوْ إحْدَى الرِّجْلَيْنِ فَيُقْتَلُ ; لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُقَاتِلَ رَاكِبًا. وَلَوْ قَتَلَ مَنْ لَا يَحِلُّ قَتْلُهُ مِمَّنْ ذُكِرَ , فَعَلَيْهِ التَّوْبَةُ وَالِاسْتِغْفَارُ فَقَطْ كَسَائِرِ الْمَعَاصِي , وَلَا شَيْءَ