سَبِيلِ إعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ بِأَنْوَاعِهَا فَرْضٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. قَالَ تَعَالَى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ} , وَالْخِطَابُ لِكَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ , وَقَالَ سُبْحَانَهُ: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ} أَيْ بِتَرْكِ الْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ , وَالْخِطَابُ أَيْضًا لِكَافَّتِهِمْ , وَعَدَّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: تَرْكَ الْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَعَدَمَ الِاسْتِعْدَادِ لِلْحَرْبِ بِاِتِّخَاذِ الْعُدَّةِ اللَّازِمَةِ لِلنَّصْرِ تَهْلُكَةً لِلنَّفْسِ , وَتَهْلُكَةً لِلْجَمَاعَةِ , فَالدَّعْوَةُ إلَى الْجِهَادِ فِي التَّوْجِيهَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ وَالنَّبَوِيَّةِ تُلَازِمُهَا فِي الْأَغْلَبِ الْأَعَمِّ دَعْوَةٌ إلَى الْإِنْفَاقِ. جَاءَ فِي تَفْسِيرِ الْمَاوَرْدِيُّ: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ} بِأَنْ تَتْرُكُوا النَّفَقَةَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَهْلَكُوا , ثُمَّ قَالَ: هَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ , وَقِيلَ: لَا تُقْحِمُوا أَنْفُسَكُمْ فِي الْحَرْبِ بِغَيْرِ نِكَايَةٍ فِي الْعَدُوِّ , وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: التَّهْلُكَةُ أَنْ تُمْسِكَ يَدَك عَنْ النَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَالْعُدَّةُ بِمَا فِي الطَّوْقِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ , فَإِنْ تَرَكُوهَا أَثِمُوا جَمِيعًا , وَهِيَ مِنْ الْأُمُورِ الْمَنُوطَةِ بِالْإِمَامِ وَتَلْزَمُ عَلَيْهِ , قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: مِنْ الْأُمُورِ الْوَاجِبَةِ عَلَى الْإِمَامِ: تَحْصِينُ الثُّغُورِ بِالْعُدَّةِ الْمَانِعَةِ , وَالْقُوَّةِ الدَّافِعَةِ حَتَّى لَا يَظْفَرَ الْأَعْدَاءُ بِغِرَّةٍ يَنْتَهِكُونَ فِيهَا مُحَرَّمًا , أَوْ يَسْفِكُونَ فِيهَا لِمُسْلِمٍ أَوْ مُعَاهَدٍ دَمًا , وَعَدَّ الْقُرْآنُ تَرْكَ الْعُدَّةِ لِلْحَرْبِ إعْلَاءً لِكَلِمَةِ اللَّهِ مِنْ عَلَامَاتِ النِّفَاقِ , فَقَالَ تَعَالَى: فِي شَانِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ اسْتَاذَنُوا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لِأَعْذَارٍ وَاهِيَةٍ فِي عَدَمِ الْخُرُوجِ مَعَهُ فِي الْجِهَادِ: {لَا يَسْتَاذِنُك الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاَللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ إنَّمَا يَسْتَاذِنُك الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً} . وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ: (سِلَاحٌ) .
مَا تَكُونُ بِهِ الْعُدَّةُ:
3 -بَيَّنَ الْقُرْآنُ الْعُدَّةَ: بِأَنَّهَا الْقُوَّةُ , وَرِبَاطُ الْخَيْلِ , قَالَ تَعَالَى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ} . وَاخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي الْمُرَادِ مِنْ الْقُوَّةِ: وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِيهِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ: أ - الْقُوَّةُ: ذُكُورُ الْخَيْلِ , وَرِبَاطُ الْخَيْلِ إنَاثُهَا. ب - الْقُوَّةُ: السِّلَاحُ , قَالَهُ الْكَلْبِيُّ. ج - التَّصَافِي , وَاتِّفَاقُ الْكَلِمَةِ. د - الثِّقَةُ بِاَللَّهِ. هـ - الرَّمْيُ. وَقَالَ صَاحِبُ تَفْسِيرِ الْخَازِنِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ أَقْوَالًا فِي مَعْنَى الْقُوَّةِ: الْقَوْلُ الرَّابِعُ: إنَّ الْمُرَادَ بِالْقُوَّةِ جَمِيعُ مَا يُتَقَوَّى بِهِ فِي الْحَرْبِ عَلَى الْعَدُوِّ , فَكُلُّ مَا هُوَ آلَةٌ يُسْتَعَانُ بِهَا فِي الْجِهَادِ فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْقُوَّةِ الْمَامُورِ بِإِعْدَادِهَا , وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: {أَلَا إنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ} لَا يَنْفِي كَوْنَ غَيْرِ الرَّمْيِ مِنْ الْقُوَّةِ الْمَامُورِ بِإِعْدَادِهَا فَهُوَ كَقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: {الْحَجُّ عَرَفَةَ} وَكَقَوْلِهِ: {النَّدَمُ تَوْبَةٌ} فَهَذَا لَا يَنْفِي اعْتِبَارَ غَيْرِهِ , بَلْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَذْكُورَ هُوَ مِنْ أَجَلِّ الْمَقْصُودِ , وَلِأَنَّ الرَّمْيَ كَانَ مِنْ أَنْجَعِ وَسَائِلِ الْحَرْبِ نِكَايَةً فِي الْعَدُوِّ فِي زَمَنِهِ صلى الله عليه وسلم فَهَكَذَا هُنَا يُحْمَلُ مَعْنَى الْآيَةِ عَلَى الِاسْتِعْدَادِ لِلْقِتَالِ فِي الْجِهَادِ بِجَمِيعِ مَا يُمْكِنُ مِنْ الْآلَاتِ , كَالرَّمْيِ بِالنَّبْلِ , وَالنِّشَابِ , وَالسَّيْفِ , وَتَعَلُّمِ الْفُرُوسِيَّةِ , وَالتَّصَافِي , وَاتِّفَاقِ الْكَلِمَةِ , وَالثِّقَةِ بِاَللَّهِ وَكُلُّ ذَلِكَ مَامُورٌ بِهِ , وَقَالَ الشِّهَابُ: إنَّمَا ذُكِرَ هَذَا هُنَا , لِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم: لَمْ يَكُنْ لَهُ اسْتِعْدَادٌ تَامٌّ فِي بَدْرٍ , فَنُبِّهُوا عَلَى أَنَّ النَّصْرَ بِدُونِ اسْتِعْدَادٍ لَا يَتَأَتَّى فِي كُلِّ زَمَانٍ , وَدَلَّتْ الْآيَةُ عَلَى