لِمَا رَوَى سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ , قَالَ: {كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَحُثُّنَا عَلَى الصَّدَقَةِ , وَيَنْهَانَا عَنْ الْمُثْلَةِ} وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم {: إنَّ أَعَفَّ النَّاسِ قِتْلَةً أَهْلُ الْإِيمَانِ} رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ , عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. قَالَ {: إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ , فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ , وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ} رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ أَنَّهُ قَدِمَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ , بِرَاسِ الْبِطْرِيقِ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ , فَقَالَ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ , فَإِنَّهُمْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِنَا. قَالَ: فَاسْتِنَانٌ بِفَارِسَ وَالرُّومِ , لَا يُحْمَلُ إلَيَّ رَاسٌ , فَإِنَّمَا يَكْفِي الْكِتَابُ وَالْخَبَرُ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: لَمْ يُحْمَلْ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم رَاسٌ قَطُّ , وَحُمِلَ إلَى أَبِي بَكْرٍ رَاسٌ فَأَنْكَرَ , وَأَوَّلُ مَنْ حُمِلَتْ إلَيْهِ الرُّءُوسُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ وَيُكْرَهُ رَمْيُهَا فِي الْمَنْجَنِيقِ , نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَإِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ لِمَصْلَحَةٍ جَازَ , لِمَا رَوَيْنَا , أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ حِينَ حَاصَرَ الْإِسْكَنْدَرِيَّة , ظُفِرَ بِرَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ , فَأَخَذُوا رَاسَهُ , فَجَاءَ قَوْمُهُ عَمْرًا مُغْضَبِينَ , فَقَالَ لَهُمْ عَمْرٌو خُذُوا رَجُلًا مِنْهُمْ فَاقْطَعُوا رَاسَهُ , فَارْمُوا بِهِ إلَيْهِمْ فِي الْمَنْجَنِيقِ , فَفَعَلُوا ذَلِكَ , فَرَمَى أَهْلُ الْإِسْكَنْدَرِيَّة رَاسَ الْمُسْلِمِ إلَى قَوْمِهِ.
وفي البحر الزخار:
"مَسْأَلَةٌ"وَذُكِرَ فِي سَرِيَّةِ كُرْزِ بْنِ جَابِرٍ لِقَتْلِ الْبَجَلِيِّينَ الَّذِينَ قَتَلُوا يَسَارًا مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم قَالَ {أَصَابَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم فِي غَزْوَةِ بَنِي مُحَارِبٍ وَبَنِي ثَعْلَبَةَ عَبْدًا يُقَالُ لَهُ يَسَارُ فَجَعَلَهُ فِي لِقَاحٍ لَهُ كَانَتْ تَرْعَى بِنَاحِيَةِ الْحِمَى فَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم نَفَرٌ مِنْ قَيْسِ كُبَّةَ فاستوبئوا وَطَحِلُوا. فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوْ خَرَجْتُمْ إلَى اللِّقَاحِ فَشَرِبْتُمْ مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا فَخَرَجُوا إلَيْهَا , فَلَمَّا صَحُّوا وَانْطَوَتْ بُطُونُهُمْ عَدَوْا عَلَى رَاعِي رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَسَارٍ فَذَبَحُوهُ وَغَرَزُوا الشَّوْكَ فِي عَيْنَيْهِ وَاسْتَاقُوا اللِّقَاحَ فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم فِي آثَارِهِمْ , كُرْزَ بْنَ جَابِرٍ , فَلَحِقَهُمْ , فَأَتَى بِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم مَرْجِعَهُ مِنْ غَزْوَةِ ذِي قِرْدٍ فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ} . قُلْت: وَهَذَا يُنَافِي تَحْرِيمَ الْمُثْلَةِ , وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وآله وسلم {إذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ} وَنَحْوُهُ فَيَحْتَمِلُ أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ جَائِزٌ لِمَصْلَحَةِ الزَّجْرِ ; لِأَنَّ تَارِيخَ ذَلِكَ مُتَأَخِّرٌ عَنْ تَحْرِيمِ الْمُثْلَةِ , وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
(قَوْلُهُ) "مَسْأَلَةٌ"وَذُكِرَ فِي سَرِيَّةِ كُرْزِ بْنِ جَابِرٍ لِقَتْلِ الْبَجَلِيِّينَ"إلَخْ. لَفْظُهُ فِي سِيرَةِ ابْنِ هِشَامٍ قَالَ {أَصَابَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم فِي غَزْوَةِ بَنِي مُحَارِبٍ وَبَنِي ثَعْلَبَةَ عَبْدًا يُقَالُ لَهُ: يَسَارُ فَجَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم فِي لِقَاحٍ لَهُ كَانَتْ تَرْعَى نَاحِيَةَ الْحِمَى فَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم نَفَرٌ مِنْ قَيْسِ كُبَّةَ مِنْ بَجِيلَةَ فاستوبئوا وَطَحِلُوا فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم لَوْ خَرَجْتُمْ إلَى اللِّقَاحِ فَشَرِبْتُمْ مِنْ أَلْبَانِهَا , وَأَبْوَالِهَا فَخَرَجُوا إلَيْهَا , فَلَمَّا صَحُّوا وَانْطَوَتْ بُطُونُهُمْ عَدَوْا عَلَى رَاعِي رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم فَذَبَحُوهُ وَغَرَزُوا الشَّوْكَ فِي عَيْنَيْهِ , وَاسْتَاقُوا اللِّقَاحَ , فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم فِي آثَارِهِمْ كُرْزَ بْنَ جَابِرٍ فَلَحِقَهُمْ فَأَتَى بِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم مَرْجِعَهُ مِنْ غَزْوَةِ ذِي قِرْدٍ فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ} انْتَهَى. وَقَدْ تَقَدَّمَتْ إحْدَى رِوَايَاتُ الْقِصَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ وَهِيَ مَشْهُورَةٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ هُنَاكَ قَوْلُ قَتَادَةَ , وَبَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ يَحُثُّ"