من أخلص العمل لله وحده لا شريك له, كما قال تعالى: {فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن} الاَية, وقال أبو العالية والربيع {بلى من أسلم وجهه لله} يقول: من أخلص لله وقال سعيد بن جبير: {بلى من أسلم} أخلص {وجهه} , قال دينه {وهو محسن} أي اتبع فيه الرسول صلى الله عليه وسلم, فإن للعمل المتقبل شرطين: أحدهما أن يكون صوابًا خالصًا لله وحده, والاَخر أن يكون صوابًا موافقًا للشريعة, فمتى كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يتقبل, ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» , رواه مسلم من حديث عائشة عنه عليه الصلاة والسلام, فعمل الرهبان ومن شابههم, وإن فرض أنهم مخلصون فيه لله, فإنه لا يتقبل منهم, حتى يكون ذلك متابعًا للرسول صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم, المبعوث إليهم وإلى الناس كافة, وفيهم وأمثالهم قال الله تعالى: {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورًا} وقال تعالى: {والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا} , وقال تعالى: {وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة تصلى نارًا حامية تسقى من عين آنية} , وروي عن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه, أنه تأولها في الرهبان كما سيأتي, وأما إن كان العمل موافقًا للشريعة, في الصورة الظاهرة, ولكن لم يخلص عامله القصد لله, فهو أيضًا مردود على فاعله, وهذا حال المرائين والمنافقين, كما قال تعالى: {إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلًا} , وقال تعالى: {فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراءون ويمنعون الماعون} ولهذا قال تعالى: {فمن كان يرجو لقاء ربه فلعمل عملًا صالحًا ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا} وقال في هذه الاَية الكريمة: {بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن} , وقوله: {فله أجره عن ربه ولا خوف علهيم ولاهم يحزنون} , ضمن لهم تعالى على ذلك تحصيل الأجور, وآمنهم مما يخافونه من المحذور, {فلا خوف عليهم} فيما يستقبلونه, {ولا هم يحزنون} على ما مضى مما يتركونه, كما قال سعيد بن جبير, {فلا خوف عليهم} يعني في الاَخرة, {ولا هم يحزنون} يعني لا يحزنون للموت.
وقوله تعالى: {وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب} , بين به تعالى تناقضهم وتباغضهم وتعاديهم وتعاندهم, كما قال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس, قال: لما قدم أهل نجران من النصارى, على رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم, أتتهم أحبار يهود فتنازعوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم, فقال رافع بن حريملة: ما أنتم على شيء, وكفر بعيسى وبالإنجيل, وقال رجل من أهل نجران من النصارى لليهود: ما أنتم على شيء, وجحد نبوة موسى وكفر بالتوراة, فأنزل الله في ذلك من قولهما: {وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب} , قال: إن كلا يتلو في كتابه تصديق من كفر به, أن يكفر اليهود بعيسى وعندهم التوراة, فيها ما أخذ الله عليهم على لسان موسى بالتصديق بعيسى وفي الإنجيل ما جاء به عيسى بتصديق موسى, وما جاء من التوراة من عند الله وكل يكفر بما في يد صاحبه, وقال مجاهد في تفسير هذه الاَية: قد كانت أوائل اليهود والنصارى على شيء, ولكنهم