يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفًا فلا تولوهم الأدبار. ومن يولهم يومئذ دبره - إلا متحرفا لقتال أو متحيزًا إلى فئة - فقد باء بغضب من الله , ومأواه جهنم وبئس المصير. فلم تقتلوهم , ولكن الله قتلهم , وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى , وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا , إن الله سميع عليم. ذلكم وأن الله موهن كيد الكافرين. .
ويبدو في التعبير القرآني شدة في التحذير ; وتغليظ في العقوبة ; وتهديد بغضب من الله ومأوى في النار: يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار. ومن يولهم يومئذ دبره - إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة - فقد باء بغضب من الله , ومأواه جهنم وبئس المصير. . والمعنى: يا أيها الذين آمنوا إذا واجهتم الذين كفروا (زحفًا) أي متدانين متقاربين متواجهين ; فلا تفروا عنهم , إلا أن يكون ذلك مكيدة حرب , حيث تختارون موقعًا أحسن , أو تدبرون خطة أحكم ; أو أن يكون ذلك انضمامًا إلى فئة أخرى من المسلمين , أو إلى قواعد المسلمين , لتعاودوا القتال. . وأن من تولى , وأعطى العدو دبره يوم الزحف فقد استحق ذلك العقاب: غضبًا من الله ومأوى في جهنم. .
وقد وردت بعض الأقوال في اعتبار هذا الحكم خاصًا بأهل بدر , أو بالقتال الذي يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم حاضره. ولكن الجمهور على أنها عامة , وأن التولي يوم الزحف كبيرة من السبع الموبقات. كما روى البخاري ومسلم في الصحيحين عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"اجتنبوا السبع الموبقات"قيل: يا رسول الله وما هن ? قال:"الشرك بالله , والسحر , وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق , وأكل الربا , وأكل مال اليتيم , والتولي يوم الزحف , وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات". .
وقد أورد الجصاص في"أحكام القرآن"تفصيلا لا بأس من الإلمام به قال:
"قال الله تعالى: (ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفًا لقتال أو متحيزًا إلى فئة) روى أبو نضرة عن أبي سعيد أن ذلك إنما كان يوم بدر. قال أبو نضرة لأنهم لو انحازوا يومئذ لأنحازوا إلى المشركين , ولم يكن يومئذ مسلم غيرهم. . وهذا الذي قاله أبو نضرة ليس بسديد , لأنه قد كان بالمدينة خلق كثير من الأنصار , ولم يأمرهم النبي عليه السلام بالخروج , ولم يكونوا يرون أنه يكون قتال , وإنما ظنوا أنها العير , فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن خف معه. فقول أبي نضرة إنه لم يكن هناك مسلم غيرهم وإنهم لو انحازوا , انحازوا إلى المشركين , غلط لما وصفنا. . وقد قيل: إنه لم يكن جائزًا لهم الانحياز يومئذ لأنهم كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن الانحياز جائزًا لهم عنه , قال الله تعالى: (ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه) :فلم يكن يجوز لهم أن يخذلوا نبيهم صلى الله عليه وسلم وينصرفوا عنه ويسلموه , وإن كان الله قد تكفل بنصره وعصمه من الناس , كما قال الله تعالى: (والله يعصمك من الناس) وكان ذلك فرضًا عليهم , قلت أعداؤهم أو كثروا , وأيضًا فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان فئة المسلمين يومئذ , ومن كان بمنحاز عن القتال فإنما كان يجوز له الانحياز على شرط أن يكون انحيازه إلى فئة , وكان النبي"