فهرس الكتاب

الصفحة 864 من 1045

صلى الله عليه وسلم فئتهم يومئذ , ولم تكن فئة غيره. قال ابن عمر: كنت في جيش , فحاص الناس حيصة واحدة ورجعنا إلى المدينة , فقلنا: نحن الفرارون. فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"أنا فئتكم". فمن كان بالبعد من النبي صلى الله عليه وسلم إذا انحاز عن الكفار فإنما كان يجوز له الانحياز إلى فئة النبي صلى الله عليه وسلم وإذا كان معهم في القتال لم يكن هناك فئة غيره ينحازون إليه , فلم يكن يجوز لهم الفرار. وقال الحسن في قوله تعالى: (ومن يولهم يومئذ دبره) قال: شددت على أهل بدر. وقال الله تعالى: (إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا) وذلك لأنهم فروا عن النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك يوم حنين فروا عن النبي صلى الله عليه وسلم فعاقبهم الله على ذلك في قوله تعالى: (ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم. فلم تغن عنكم شيئًا , وضاقت عليكم الأرض بما رحبت , ثم وليتم مدبرين) . . فهذا كان حكمهم إذا كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم قل العدو أو كثر , إذا لم يجد الله فيه شيئًا. . وقال الله تعالى في آية أخرى: (يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال , إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين , وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفًا من الذين كفروا) وهذا - والله أعلم - في الحال التي لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم حاضرا معهم , فكان على العشرين أن يقاتلوا المائتين لا يهربوا عنهم , فإذا كان عدد العدو أكثر من ذلك أباح لهم التحيز إلى فئة من المسلمين فيهم نصرة لمعاودة القتال , ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: (الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفًا , فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين , وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله) فروي عن ابن عباس أنه قال: كتب عليكم ألا يفر واحد من عشرة: ثم قلت: (الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا) . . . الآية. فكتب عليكم ألا يفر مئة من مئتين. وقال ابن عباس: إن فر رجل من رجلين فقد فر , وإن فر من ثلاثة فلم يفر - قال الشيخ يعني بقوله: فقد فر: الفرار من الزحف المراد بالآية , والذي في الآية إيجاب فرض القتال على الواحد لرجلين من الكفار , فإن زاد عدد الكفار على اثنين فجائز حينئذ للواحد التحيز إلى فئة من المسلمين فيها نصرة ,فأما إن أراد الفرار ليلحق بقوم من المسلمين لا نصرة معهم فهو من أهل الوعيد المذكور في قوله تعالى: (ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفًا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله) ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم:"أنا فئة كل مسلم". وقال عمر بن الخطاب لما بلغه أن أبا عبيد بن مسعود استقتل يوم الجيش حتى قتل ولم ينهزم:"رحم الله أبا عبيد! لو انحاز إليّ لكنت له فئة". فلما رجع إليه أصحاب أبي عبيد قال:"أنا فئة لكم"ولم يعنفهم. . وهذا الحكم عندنا [يعني عند الحنفية] ثابت , ما لم يبلغ عدد جيش المسلمين اثني عشر ألفًا لا يجوز لهم أن ينهزموا عن مثليهم إلا متحرفين لقتال , وهو أن يصيروا من موضع إلى غيره مكايدين لعدوهم , ونحو ذلك , مما لا يكون فيه انصراف عن الحرب , أو متحيزين إلى فئة من المسلمين يقاتلونهم معهم. فإذا بلغوا اثني عشر ألفًا فإن محمد بن الحسن ذكر أن الجيش إذا بلغوا كذلك فليس لهم أن يفروا من عدوهم , وإن كثر عددهم , ولم يذكر خلافًا بين أصحابنا فيه [يعني الحنفية] واحتج بحديث الزهري عن عبيدالله بن عبدالله , أن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"خير الأصحاب أربعة. وخير السرايا أربع مائة. وخير الجيوش أربعة آلاف. ولن يؤتى اثنا عشر"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت