(وقالوا: لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى) . .
وهذه حكاية قوليهم مزدوجة. وإلا فقد كانت اليهود تقول: لن يدخل الجنة إلا من كان هودا - أي من يهود - وكانت النصارى تقول: لن يدخل الجنة إلا من كان من النصارى. .
وهذه القولة كتلك , لا تستند إلى دليل , سوى الادعاء العريض! ومن ثم يلقن الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يجبههم بالتحدي وأن يطالبهم بالدليل:
(قل: هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) . .
وهنا يقرر قاعدة من قواعد التصور الإسلامي في ترتيب الجزاء على العمل بلا محاباة لأمة ولا لطائفة ولا لفرد. إنما هو الإسلام والإحسان , لا الاسم والعنوان:
(بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن , فله أجره عند ربه , ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) . .
ومن قبل قرر هذه القاعدة في العقاب ردا على قولهم: (لن تمسنا النار إلا أياما معدودة) . . فقال: (بلى! من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) . .
إنها قاعدة واحدة بطرفيها في العقوبة والمثوبة. طرفيها المتقابلين: (من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته) . . فهو حبيس هذه الخطيئة المحيطة , في معزل عن كل شيء وعن كل شعور وعن كل وجهة إلا وجهة الخطيئة.
و (من أسلم وجهه لله وهو محسن) . . فأخلص ذاته كلها لله , ووجه مشاعره كلها إليه , وخلص لله في مقابل خلوص الآخر للخطيئة. . (من أسلم وجهه لله) . . هنا تبرز سمة الإسلام الأولى: إسلام الوجه - والوجه رمز على الكل - ولفظ أسلم يعني الاستسلام والتسليم. الاستسلام المعنوي والتسليم العملي. ومع هذا فلا بد من الدليل الظاهر على هذا الاستسلام: (وهو محسن) . . فسمة الإسلام هي الوحدة بين الشعور والسلوك , بين العقيدة والعمل , بين الإيمان القلبي والإحسان العملي. . بذلك تستحيل العقيدة منهجا للحياة كلها ; وبذلك تتوحد الشخصية الإنسانية بكل نشاطها واتجاهاتها ; وبذلك يستحق المؤمن هذا العطاء كله:
فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون. .
الأجر المضمون لا يضيع عند ربهم. . والأمن الموفور لا يساوره خوف , والسرور الفائض لا يمسه حزن. . وتلك هي القاعدة العامة التي يستوي عندها الناس جميعا. فلا محسوبية عند الله سبحانه ولا محاباة!
ولقد كانوا - يهودا ونصارى - يطلقون تلك الدعوى العريضة , بينما يقول كل منهما عن الفريق الآخر إنه ليس على شيء ; وبينما كان المشركون يجبهون الفريقين بالقولة ذاتها:
(وقالت اليهود ليست النصارى على شيء , وقالت النصارى ليست اليهود على شيء - وهم يتلون الكتاب - كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم , فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون) . .