فهرس الكتاب

الصفحة 969 من 1045

المسلم أن يجعل لحياته مناهج متعددة المصادر: منهجا للحياة الشخصية , وللشعائر والعبادات , والأخلاق والآداب , مستمدا من كتاب الله. ومنهجا للمعاملات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والدولية , مستمدا من كتاب أحد آخر ; أو من تفكير بشري على الإطلاق! إن مهمة التفكير البشري أن تستنبط من كتاب الله ومنهجة أحكاما تفصيلية تطبيقية لأحداث الحياة المتجددة , وأقضيتها المتطورة - بالطريقة التي رسمها الله في الدرس السابق من هذه السورة - ولا شيء وراء ذلك. وإلا فلا أيمان أصلا ولا إسلام. لا إيمان ابتداء ولا إسلام , لأن الذين يفعلون ذلك لم يدخلوا بعد في الإيمان , ولم يعترفوا بعد بأركان الإسلام. وفي أولها: شهادة أن لا إله إلا الله , التي ينشأ منها أن لا حاكم إلا الله , وأن لا مشرع إلا الله.

وها هو ذا كتاب الله يرسم للمسلمين جانبا من الخطة التنفيذية للمعركة ; المناسبة لموقفهم حينذاك. ولوجودهم بين العداوات الكثيرة في الخارج. والمنافقين وحلفائهم اليهود في الداخل. وهو يحذرهم ابتداء:

(يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم) . .

خذو حذركم من عدوكم جميعا. وبخاصة المندسين في الصفوف من المبطئين , الذين سيرد ذكرهم في الآية: (فانفروا ثبات أو انفروا جميعًا) . .

ثبات. جميع ثبة: أي مجموعة. . والمقصود لا تخرجوا للجهاد فرادى. ولكن اخرجوا مجموعات صغيرة , أو الجيش كله. . حسب طبيعة المعركة. . ذلك أن الآحاد قد يتصيدهم الإعداء , المبثوثون في كل مكان. وبخاصة إذا كان هؤلاء الأعداء منبثين في قلب المعسكر الإسلامي. . وهم كانوا كذلك , ممثلين في المنافقين , وفي اليهود , في قلب المدينة.

وإن منكم لمن ليبطئن. فإن أصابتكم مصيبة قال: قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا. ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن - كأن لم تكن بينكم وبينه مودة - يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيمًا. .

انفروا جماعات نظامية. أو انفروا جميعا. ولا ينفر بعضكم ويتثاقل بعضكم - كما هو واقع - وخذوا حذركم. لا من العدو الخارجي وحده ; ولكن كذلك من المعوقين المبطئين المخذلين ; سواء كانوا يبطئون أنفسهم - أي يقعدون متثاقلين - أو يبطئون غيرهم معهم ; وهو الذي يقع عادة من المخذلين المثبطين!

ولفظة (ليبطئن) مختارة هنا بكل ما فيها من ثقل وتعثر ; وإن اللسان ليتعثر في حروفها وجرسها , حتى يأتي على آخرها , وهو يشدها شدا ; وإنها لتصور الحركة النفسية المصاحبة لها تصويرا كاملا بهذا التعثر والتثاقل في جرسها. وذلك من بدائع التصوير الفني في القرآن , الذي يرسم حالة كاملة بلفظة واحدة.

وكذلك يشي تركيب الجملة كلها: (وإن منكم لمن ليبطئن) , بأن هؤلاء المبطئين - وهم معدودون من المسلمين - (منكم) يزاولون عملية التبطئة كاملة , ويصرون عليها إصرارا , ويجتهدون فيها اجتهادا. .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت