يجاملهم فيجاملوه ; بأن يتبع بعض تقاليدهم ليتبعوا هم بعض عبادته , لم يدهن. . وعلى الجملة كان للدعوة"وجودها"الكامل , في شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم محروسا بسيوف بني هاشم - وفي إبلاغه لدعوة ربه كاملة في كل مكان وفي كل صورة. . ومن ثم لم تكن هنالك الضرورة القاهرة لاستعجال المعركة , والتغاضي عن كل هذه الاعتبارات البيئية التي هي في مجموعها , مساندة للدعوة ومساعدة في مثل هذه البيئة.
هذه الاعتبارات - كلها - فيما نحسب - كانت بعض ما اقتضت حكمة الله - معه - أن يأمر المسلمين بكف أيديهم. وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة. . لتتم تربيتهم وإعدادهم , ولينتفع بكل إمكانيات الخطة في هذه البيئة ; وليقف المسلمون في انتظار أمر القيادة , في الوقت المناسب. وليخرجوا أنفسهم من المسألة كلها , فلا يكون لذواتهم فيها حظ. لتكون خالصة لله. وفي سبيل الله. . والدعوة لها"وجودها"وهي قائمة ومؤداة ومحمية ومحروسة. . .
وأيا ما كانت حكمة الله من وراء هذه الخطة , فقد كان هناك المتحمسون يبدون لهفتهم على اللحظة التي يؤذن لهم فيها بالقتال:
(فلما كتب عليهم القتال , إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية. وقالوا: ربنا لم كتبت علينا القتال ? لولا أخرتنا إلى أجل قريب!) .
وكان وجود هذه الطائفة في الصف المسلم ينشئ فيه حالة من الخلخلة وينشى ء فيه حالة من عدم التناسق بين هذه الطائفة الجزوع الهلوع , وبين الرجال المؤمنين , ذوي القلوب الثابتة المطمئنة ; المستقبلة لتكاليف الجهاد - على كل ما فيها من مشقة - بالطمأنينة والثقة والعزم والحماسة أيضا. ولكن في موضعها المناسب. فالحماسة في تنفيذ الأمر حين يصدر هي الحماسة الحقيقية. أما الحماسة قبل الأمر , فقد تكون مجرد اندفاع وتهور ; يتبخر عند مواجهة الخطر!
وكان القرآن يعالج هذه الحالة بمنهجه الرباني:
(قل: متاع الدنيا قليل , والآخرة خير لمن اتقى , ولا تظلمون فتيلا. أينما تكونوا يدرككم الموت , ولو كنتم في بروج مشيدة) . .
إنهم يخشون الموت , ويريدون الحياة. ويتمنون في حسرة مسكينة! لو كان الله قد أمهلهم بعض الوقت ; ومد لهم - شيئا - في المتاع بالحياة!
والقرآن يعالج هذه المشاعر في منابتها ; ويجلو غبش التصور لحقيقة الموت والأجل. .
(قل متاع الدنيا قليل) . .
متاع الدنيا كله. والدنيا كلها. فما بال أيام , أو أسابيع , أو شهور , أو سنين ? ما قيمة هذا الإمهال لأجل قصير. إذا كان متاع الحياة الدنيا بطولها في جملته قليلا ?! ما الذي يملكون تحقيقه من المتاع في أيام , أو أسابيع , أو شهور , أو سنين. ومتاع الدنيا كله والدنيا بطولها قليل! ?