فهرس الكتاب

الصفحة 977 من 1045

(والآخرة خير لمن اتقى) . .

فالدنيا - أولا - ليست نهاية المطاف ولا نهاية الرحلة. . إنها مرحلة. . ووراءها الآخرة والمتاع فيها هو المتاع - فضلا على أن المتاع فيها طويل كثير - فهي (خير) . . (خير لمن اتقى) . . وتذكر التقوى هنا والخشية والخوف في موضعها. التقوى لله. فهو الذي يتقى , وهو الذي يخشى. وليس الناس. . الناس الذين سبق أن قال: إنهم يخشونهم كخشية الله - أو أشد خشية! - والذي يتقي الله لا يتقي الناس. والذي يعمر قلبه الخوف من الله لا يخاف أحدا. فماذا يملك له إذا كان الله لا يريد ?

(ولا تظلمون فتيلا) . .

فلا غبن ولا ضير ولا بخس ; إذا فاتهم شيء من متاع الدنيا. فهناك الآخرة. وهناك الجزاء الأوفى ; الذي لا يبقى معه ظلم ولا بخس في الحساب الختامي للدنيا والآخرة جميعا!

ولكن بعض الناس قد تهفو نفسه - مع هذا كله - إلى أيام تطول به في هذه الأرض! حتى وهو يؤمن بالآخرة , وهو ينتظر جزاءها الخير. . وبخاصة حين يكون في المرحلة الإيمانية التي كانت فيها هذه الطائفة!

هنا تجيء اللمسة الأخرى. اللمسة التي تصحح التصور عن حقيقة الموت والحياة , والأجل والقدر ; وعلاقة هذا كله بتكليف القتال , الذي جزعوا له هذا الجزع , وخشوا الناس فيه هذه الخشية!

(أينما تكونوا يدرككم الموت , ولو كنتم في بروج مشيدة) . .

فالموت حتم في موعده المقدر. ولا علاقة له بالحرب والسلم. ولا علاقة له بحصانة المكان الذي يحتمي به الفرد أو قلة حصانته. ولا يؤخره أن يؤخر عنهم تكليف القتال إذن ; ولا هذا التكليف والتعرض للناس في الجهاد يعجله عن موعده. .

هذا أمر وذاك أمر ; ولا علاقة بينهما. . إنما العلاقة هناك بين الموت والأجل. بين الموعد الذي قدره الله وحلول ذلك الموعد. . وليست هنالك علاقة أخرى. . ولا معنى إذن لتمني تأجيل القتال. ولا معنى إذن لخشية الناس في قتال أو في غير قتال!

وبهذه اللمسة الثانية يعالج المنهج القرآني كل ما يهجس في الخاطر عن هذا الأمر ; وكل ما ينشئه التصور المضطرب من خوف ومن ذعر. .

إنه ليس معنى هذا ألا يأخذ الإنسان حذره وحيطته وكل ما يدخل في طوقه من استعداد وأهبه ووقاية. . فقد سبق أن أمرهم الله بأخذ الحذر. وفي مواضع أخرى أمرهم بالاحتياط في صلاة الخوف. وفي سور أخرى أمرهم باستكمال العدة والأهبة. . ولكن هذا كله شيء , وتعليق الموت والأجل به شيء آخر. . إن أخذ الحذر واستكمال العدة أمر يجب أن يطاع , وله حكمته الظاهرة والخفية , ووراءه تدبير الله. . وإن التصور الصحيح لحقيقة العلاقة بين الموت والأجل المضروب - رغم كل استعداد واحتياط - أمر آخر يجب أن يطاع ; وله حكمته الظاهرة والخفية , ووراءه تدبير الله. .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت