ـ [جمال حسني الشرباتي] ــــــــ [23 - 08 - 2005, 06:01 ص] ـ
وأما التأويل
فأصله في اللغة من الأول ومعنى قولهم ما تأويل هذا الكلام أي إلام تؤول العاقبة في المراد به كما قال تعالى) يوم يأتي تأويله (أي تكشف عاقبته ويقال آل الأمر إلى كذا أى صار إليه وقال تعالى) ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا(
وأصله من المآل وهو العاقبة والمصير وقد أولته فآل أي صرفته فانصرف فكأن التأويل صرف الآية إلى ما تحتمله من المعاني
وإنما بنوه على التفعيل لما تقدم ذكره في التفسيره
وقيل أصله من الإيالة وهى السياسة فكأن المؤول للكلام يسوى الكلام ويضع المعنى فيه موضعه
ثم قيل التفسير والتأويل واحد بحسب عرف الاستعمال والصحيح تغايرهما
واختلفوا فقيل التفسير كشف المراد عن اللفظ المشكل ورد أحد الاحتمالين إلى ما يطابق الظاهر
قال الراغب التفسير أعم من التأول وأكثر استعماله في الألفاظ وأكثر استعمال التأويل في المعانى كتأويل الرؤيا وأكثره يستعمل في الكتب الإلهية والتفسير يستعمل في غيرها والتفسير أكثر ما يستعمل في معانى مفردات الألفاظ
واعلم أن التفسير في عرف العلماء كشف معانى القرآن وبيان المراد أعم من أن يكون بحسب اللفظ المشكل وغيره وبحسب المعنى الظاهر وغيره والتفسير أكثره في الجمل
والتفسير إما أن يستعمل في غريب الألفاظ كالبحيرة والسائبة والوصيلة أو في وجيز مبين بشرح كقوله)وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة (وإما في كلام مضمن لقصة لا يمكن تصويره إلا بمعرفتها كقوله) إنما النسيء زيادة في الكفر (وقوله) وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها(وأما التأويل فإنه يستعمل مرة عاما ومرة خاصا نحو الكفر يستعمل تارة في الجحود المطلق وتارة في جحود البارئ خاصة والإيمان المستعمل في التصديق المطلق تارة وفى تصديق الحق تارة وإما في لفظ مشترك بين معان مختلفة
وقيل التأويل كشف ما انغلق من المعنى ولهذا قال البجلى التفسير يتعلق بالرواية والتأويل يتعلق بالدراية وهما راجعان إلى التلاوة والنظم المعجز الدال على الكلام القديم القائم بذات الرب تعالى
قال أبو نصر القشيرى ويعتبر في التفسير الاتباع والسماع وإنما الاستنباط فيما يتعلق بالتأويل وما لا يحتمل إلا معنى واحدا حمل عليه وما احتمل معنيين أو اكثر فإن وضع لأشياء متماثلة كالسواد حمل على الجنس عند الإطلاق وإن وضع لمعان مختلفة فإن ظهر أحد المعنيين حمل على الظاهر إلا أن يقوم الدليل وإن استويا سواء كان الاستعمال فيهما حقيقة أو مجازا أو في أحدهما حقيقة وفى الآخر مجاز كلفظه المس فإن تنافى الجمع فمجمل يتوقف على البيان من غيره وإن تنافيا فقد قال قوم يحمل على المعنيين والوجه عندنا التوقف
وقال ابو القاسم بن جبيب النيسابورى والبغوى والكواشى وغيرهم التأويل صرف الآية إلى معنى موافق لما قبلها وما بعدها تحتمله الآية غير مخالف للكتاب والسنة من طريق الاستنباط
قالوا وهذا غير محظور على العلماء بالتفسير وقد رخص فيه أهل العلم وذلك مثل قوله تعالى)ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة(قيل هو الرجل يحمل في الحرب على مائة رجل وقيل هو الذي يقنط من رحمة الله وقيل الذي يمسك عن النفقة وقيل هو الذى ينفق الخبيث من ماله وقيل الذى يتصدق بماله كله ثم يتكفف الناس ولكل منه مخرج ومعنى
ومثل قوله تعالى للمندوبين الى الغزو عند قيام النفير)انفروا خفافا وثقالا(
قيل شيوخا وشبابا وقيل اغنياء وفقراء وقيل عزابا ومتأهلين وقيل نشاطا وغير نشاط وقيل مرضى وأصحاء وكلها سائغ جائز والآية محمولة عليها لان الشباب والعزاب والنشاط والأصحاء خفاف وضدهم ثقال
ومثل قوله تعالى)ويمنعون الماعون(قيل الزكاة المفروضة وقيل العارية او الماء او النار او الكلأ او الرفد او المغرفة وكلها صحيح لأن مانع الكل آثم
وكقوله تعالى)ومن الناس من يعبد الله على حرف(فسره ابو عبيد أي لايدوم وقال ثعلب أي على شك وكلاهما قريب لأن المراد انه غير ثابت على دينة ولا تستقيم البصيرة فيه
وقيل في القرآن ثلاث آيات في كل منها مائة قول قوله)فاذكروني أذكركم وإن عدتم عدنا (و) هل جزاء الإحسان إلا الإحسان(
فهذا وأمثاله ليس محظورا على العلماء استخراجه بل معرفة واجبة ولهذا قال تعالى)وابتغاء تأويله(
ولولا ان له تأويلا سائغا في اللغة لم يبينه سبحانه والوقف على قوله)والراسخون (قال القاضي ابو المعالي انه قول الجمهور وهو مذهب ابن مسعود وابي بن كعب وابن عباس وما نقله بعض الناس عنهم بخلاف ذلك فغلط
الزركشي
البرهان
على فكرة ---الطبري غالبا ما يستعمل التفسير والتأويل بنفس المعنى فيقول عند ذكره رأيا من الآراء
(قال أهل التأويل)
(يُتْبَعُ)