للضاد إصمات مع استعلا جهر ... إطالة رخو وإطباق شهر
قال ابن الجزري في التمهيد: اعلم أن هذا الحرف ليس في الحروف حرف يعسر على اللسان غيره فإن ألسنة الناس فيه مختلفة وقلّ من يحسنه فمنهم من يخرجه ظاء معجمة لأنه يشارك الظاء في صفاتها كلّها إلا الاستطالة، فلولا الاستطالة واختلاف المخرجين لكانت ظاء، وهم أكثر الشاميين وبعض أهل المشرق، وهذا لا يجوز في كلام الله تعالى لمخالفته المعنى الذي أراده الله تعالى إذ لو قلنا في {الضََّالِّينَ} [الشّعراء: الآية 86، وغيرها] الظالين بالظاء المعجمة لكان معناه الدائمين، وهذا خلاف مراد الله تعالى، وهو مبطل للصلاة لأن الضلال بالضاد هو ضد الهدى كقوله: {ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلََّا إِيََّاهُ}
[الإسراء: الآية 67] و {وَلَا الضََّالِّينَ} [الفاتحة: الآية 7] ونحوه، والظّلول بالظاء هو الصيرورة كقوله: {ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا} [النّحل: الآية 58] وشبهه، فمثال الذي يجعل الضاد
ظاء في هذا وشبهه كالذي يبدل السين صادا في نحو قوله: {وَأَسَرُّوا النَّجْوى ََ} [طه: الآية 62] ، أو يبدل الصاد سينا في نحو قوله: {وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا} [نوح: الآية 7] فالأول من السرّ، والثاني من الإصرار، وقد حكى ابن جني في كتاب التنبيه وغيره «أنّ من العرب من يجعل الضاد ظاء مطلقا في جميع كلامهم» وهذا غريب، وفيه توسّع للعامّة. ومنهم من لا يوصلها إلى مخرجها بل يخرجها دونه ممزوجة بالطاء المهملة لا يقدرون على غير ذلك، وهم أكثر المصريين وبعض أهل المغرب، ومنهم من يجعلها دالا مفخمة، ومنهم من يخرجها لاما مفخمة وهم الزيالع ومن ضاهاهم لأن اللام مشاركة لها في المخرج لا في الصفات، فهي بعكس الظاء لأن الظاء تشارك الضاد في الصفات لا في المخرج وإلى ذلك أشار الإمام السخاوي في نونيته فقال:
والضاد عال مستطيل مطبق ... جهر يكلّ لديه كلّ لسان
حاشا لسان بالفصاحة قيّم ... درب لأحكام الحروف معاني
كم رامه قوم فما أبدوا سوى ... لام مفخّمة بلا عرفان
ميزه بالإيضاح عن ظاء وفي ... أضللن أو في غيض يشتبهان
واعلم أن هذا الحرف خاصة إذا لم يقدر الشخص على إخراجه من مخرجه بطبعه لا يقدر عليه بكلفة ولا بتعليم، فإذا أتى بعد الضاد ظاء معجمة وجب الاعتناء ببيان أحدهما عن الآخر لتقارب التشابه نحو {أَنْقَضَ ظَهْرَكَ} [الشّرح: الآية 3] و {يَعَضُّ الظََّالِمُ}
[الفرقان: الآية 27] و {بَعْضَ الظََّالِمِينَ} [الأنعام: الآية 129] .
وإذا سكنت وأتى بعدها حرف إطباق وجب التحفظ بلفظ الضاد لئلا يسبق اللسان إلى ما هو أخف عليه وهو الإدغام نحو قوله: {فَمَنِ اضْطُرَّ} [البقرة: الآية 173] و {ثُمَّ أَضْطَرُّهُ} [البقرة: الآية 126] و {اضْطُرِرْتُمْ} [الأنعام: الآية 119] وإذا أتى بعدها حرف من حروف المعجم فلا بد من المحافظة على بيانها وإلا بادر اللسان إلى ما هو أخف منها نحو قوله: {أَعْرَضْتُمْ} [الإسراء: الآية 67] و {أَفَضْتُمْ} [البقرة: الآية 198] و {فَقَبَضْتُ قَبْضَةً} [طه: الآية 96] و {وَاخْفِضْ جَنََاحَكَ} [الحجر: الآية 88، وغيرها] و {وَقَيَّضْنََا}
[فصلت: الآية 25] و {يَحِضْنَ} [الطّلاق: الآية 4] و {فَرَضْنََا} [الأحزاب: الآية 50] و {وَلْيَضْرِبْنَ} [النور: الآية 31] و {خَضِرًا} [الأنعام: الآية 99] و {نَضْرَةً} [الإنسان: الآية 11] و {وَلَوْلََا فَضْلُ اللََّهِ عَلَيْكَ} [النساء: الآية 113] وغيرها و {أَرْضُ اللََّهِ} [النّساء: الآية 97] و {مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا} [آل عمران: الآية 91] و {بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ} [المائدة: الآية 49] . وإذا تكررت الضاد فلا بد من بيان كل واحدة منهما لأن بيانها عند مثلها آكد من بيانها عند مقاربها، ولذا قال مكي رحمه الله تعالى: إذا تكررت يجب بيانها لوجود التكرر في حرف
قوي مطبق مستعل مستطيل وذلك نحو قوله: {يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصََارِهِنَّ} [النّور: الآية 31] و {وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ} [لقمان: الآية 19] [اه. تمهيد مع بعض زيادة] .