فقال يعقوب لأبنائِه: عُودُوا إلى مِصرَ، فاستَقْصُوا أخبارَ يوسُفَ وأخيه، ولا تَقنَطوا مِن رَحمةِ اللَّهِ؛ إنَّه لا يَقنَطُ مِن رَحمةِ اللَّهِ إلَّا الجاحِدونَ لقُدرتِه، الكافِرونَ به.
ثم إنَّ إخوةَ يوسُفَ لما رجَعوا إلى مِصْرَ، ودخَلوا على يوسُفَ، أرادوا استرقاق قلبه بضعفهم وشدة حاجتهم، فإن رأوا منه لينًا وشفقة؛ حاولوا معه أن يطلق لهم أخاهم. فلما دخلوا عليه قالوا: يا أيُّها العزيزُ، أصابَنا وأهْلَنا القَحْطُ والجَدْبُ، وجِئْناكَ بثَمنٍ رَديءٍ قليلٍ، فأعْطِنا به ما كُنتَ تُعطِينا وتُكرمنا مِن قَبلُ بالثَّمَنِ الجَيِّدِ، وتصدَّقْ عليْنا بقَبضِ هذه الدَّراهمِ الْمُزجاةِ وتَجوَّزْ فيها؛ إنَّ اللَّهَ تعالى يُثيبُ المتفَضِّلينَ بأموالِهم على المحتاجينَ. فلَمَّا سمِعَ مَقالتَهم رَقَّ لهم، وعرَّفَهم بنَفْسِه، وقال: هلْ تذكُرونَ الَّذي فعَلْتُموه بيوسُفَ وأخيه مِنَ الأذَى في حالِ جَهْلِكم بعاقبةِ ما تَفعلونَ؟ قالوا: أإنَّكَ لَأنتَ يوسُفُ؟ ! قال: نَعَمْ، أنا يوسُفُ، وهذا شَقيقي، قد تفضَّل اللَّهُ علينا، فجَمَعَ بيْننا بعدَ الفُرقةِ؛ إنَّه مَن يتَّقِ اللَّهَ، ويَصبِرْ على المِحَنِ؛ فإنَّ اللَّهَ لا يُذهِبُ ثوابَ إحسانِه، وإنَّما يَجْزيه أحسَنَ الجَزاءِ. قالوا: واللَّهِ، لقد فَضَّلكَ اللَّهُ علينا، وأعزَّك بالعِلْمِ والحِلمِ، والفَضلِ والكرم والملكِ والجمال، وقد كنَّا خاطِئينَ فِيما فعَلْناه بكَ. فقال لهم يوسُفُ: لا تَأنيبَ عليكمُ اليومَ، يَغفِرُ اللَّهُ لكم، وهو أرحَمُ الرَّاحمينَ لِمَن تاب مِن ذَنبِه، وأناب إلى طاعتِه.
ولَمَّا سألَهم عن أبيه أخبَروه بذَهابِ بَصَرِه مِنَ البُكاءِ عليه، فقال لهم: عُودُوا إلى أبيكم ومعَكم قَميصي هذا، فاطْرَحوه على وجهِ أبي يَعُدْ إليه بَصَرُه، ثم أَحْضِروا إليَّ جميعَ أهلِكم.