فَعَتَبَ اللهُ عَلَيْهِ إِذْ لَمْ يَرُدَّ الْعِلْمَ إِلَيْهِ، فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ: إِنِّي أَعْلَمُ بِالْخَيْرِ عِنْدَ مَنْ هُوَ، إِنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِي بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ -عَبْدُنَا خَضِرٌ- هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ. قَالَ: يَا رَبِّ فَدُلَّنِي عَلَى هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي آتَيْتَهُ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ تُؤْتِنِي حَتَّى أَتَعَلَّمَ مِنْهُ، قَالَ: يَدْلُكُ عَلَيْهِ بَعْضُ زَادِكَ. فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُ الحُوتَ آيَةً، فَقِيلَ لَهُ: احْمِلْ حُوتًا مَالِحًا فِي مِكْتَلٍ، فَإِذَا فَقَدْتَ الْحُوتَ؛ فَارْجِعْ فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ حَيْثُ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ. فَانْطَلَقَ بِفَتَاهُ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ، وَحَمَلَا حُوتًا فِي مِكْتَلٍ، وَقَالَ لِفَتَاهُ: لَا أُكَلِّفُكَ إِلَّا أَنْ تُخْبِرَنِي بِحَيْثُ يُفَارِقُكَ الْحُوتُ، قَالَ: مَا كَلَّفْتَ كَثِيرًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ} ، حَتَّى إِذَا أَتَيَا الصَّخْرَةَ وَضَعَا رُءُوسَهُمَا، فَرَقَدَ مُوسَى، وَأَصَابَ الْحُوتَ ثَرَى الْبَحْرِ وَاضْطَرَبَ الْحُوتُ فِي ظِلِّ صَخْرَةٍ فِي مَكَانٍ ثَرْيَانَ (مَبْلُولٍ) فَتَحَرَّكَ فِي الْمِكْتَلِ فَقَلَبَ الْمِكْتَلَ فَخَرَجَ فَسَقَطَ فِي الْبَحْرِ وَانْسَرَبَ (1) ، فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا، فَأَمْسَكَ اللهُ عَنْ الْحُوتِ جِرْيَةَ الْمَاءِ، فَجَعَلَ لَا يَلْتَئِمُ عَلَيْهِ، حَتَّى كَأَنَّ أَثَرَهُ فِي حَجَرٍ، حتى صَارَ مِثْلَ الْكَوَّةِ (2) .
(1) قيل: أصل السرب الذهاب في انحدار. والسرب: المنحدر. وسرب الدمع: سال. وانسربت الحبة إلى جحرها.
(2) قال سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: قَالَ لِي عَمْرو بْنِ دِينَارٍ: هَكَذَا، كَأَنَّ أَثَرَهُ فِي حَجَرٍ، وَحَلَّقَ بَيْنَ إِبْهَامَيْهِ وَاللَّتَيْنِ تَلِيَانِهِمَا.