فَقَالَ فَتَاهُ: لَا أُوقِظُهُ. فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ مُوسَى - عليه السلام - نَسِيَ صَاحِبُهُ أَنْ يُخْبِرَهُ بِالْحُوتِ فَانْطَلَقَا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمَا وَلَيْلَتَهُمَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ مُوسَى قَالَ لِفَتَاهُ: {آتِنَا غَدَاءَنَا، لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا} وَلَمْ يَجِدْ مُوسَى مَسًّا مِنْ النَّصَبِ حَتَّى جَاوَزَ الْمَكَانَ الَّذِي أُمِرَ بِهِ، فَقَالَ لَهُ فَتَاهُ: {أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ، فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهِ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ، وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا} فَكَانَ لِلْحُوتِ سَرَبًا (1) ، وَلِمُوسَى وَفَتَاهُ عَجَبًا، فَقَالَ مُوسَى: {ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ، فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا} ، فرَجَعَا يَقُصَّانِ آثَارَهُمَا حَتَّى انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ، فَوَجَدَا فِي الْبَحْرِ كَالطَّاقِ (2) مَمَرَّ الْحُوتِ، وَأَبْصَرَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَثَرَ الْحُوتِ، فَأَخَذَا إِثْرَ الْحُوتِ يَمْشِيَانِ عَلَى الْمَاءِ حَتَّى انْتَهَيَا إِلَى جَزِيرَةٍ مِنْ جَزَائِرِ الْبَحْرِ فَقَالَ مُوسَى: هَاهُنَا وُصِفَ لِي، فَأَطَافَ بِهَا، فَإِذَا هُوَ بِالْخَضِر (3) ، مُسْتَلْقِيًا عَلَى الْقَفَا مُسَجًّى بِثَوْبٍ.
(1) أَي مَسْلَكًا كالسَّرْبِ.
(2) كالجسر المقوّس أو الرف المقوّس.
(3) وإِنَّمَا سُمِّيَ الْخَضِرَ، لِأَنَّهُ جَلَسَ عَلَى فَرْوَةٍ بَيْضَاءَ، فَاهْتَزَّتْ تَحْتَهُ خَضْرَاءَ. والفروة: أرضٌ بيضاء ليس فيها نبات، أو الحشيش الأبيض وما يشبهه.