ودَخَلَ رسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصْحَابهُ دَارَ الأَرْقَمِ بنِ أَبِي الأَرْقَمِ المَخْزُومِيِّ عَلَى الصَّفَا، وكَانَتْ بِمَعْزِلٍ عَنْ أَعْيُنِ المُشْرِكِينَ ومَجَالِسِهِمْ، فاتَّخَذَهَا مَرْكَزًا لِلدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى.
واستمرَّتْ ثَلَاثُ سَنَوَاتٍ، والدَّعْوَةُ لَمْ تَزَلْ سِرِّيَّةً فَرْدِيَّةً، وخِلَالَ هَذِهِ الفَتْرَةِ تَكَوَّنَتْ جَمَاعَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ تَقُومُ عَلَى الأُخُوَّةِ والتَّعَاوُنِ.
ثم أُمِرَ بالجَهْرِ بالدَّعْوَةِ لما نزل قوله تعالى: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} . وقولُهُ تَعالى: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ. وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ} .
فَصَعِدَ -صلى اللَّه عليه وسلم- جَبَلَ الصَّفَا فَقَالَ:"يَا صَبَاحَاهُ"، فَقَالُوا: مَنْ هَذَا الَّذِي يَهْتِفُ؟ ، قَالُوا: مُحَمَّدٌ، فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، وَجَعَلَ الرَّجُلُ إِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَخْرُجَ أرْسَلَ رَسُولًا لِيَنْظُرَ، فَجَاءَ أَبُو لَهَبٍ وقُرَيْشٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-:"أرَأَيْتُكُمْ لَوْ أخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا بِالوَادِي تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ أكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟"، قالُوا: نَعَمْ، مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ كَذِبًا، قَالَ:"فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ"، فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبًا لَكَ سَائِرَ اليَوْمِ! ألِهَذَا جَمَعْتَنَا؟ ، فنَزَلَتْ {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ. مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ. . .} .