فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 525

(هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ. إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ) (1) .

(1) جعل الله الشمس والقمر آيتين على إبداع خلقه، وجعل من فوائدهما معرفة السنين والحساب، فالشمس بدورتها اليومية يتكون اليوم، والقمر بدورته في منازله يتكون الشهر، ومن تكون اثني عشر شهرًا قمريًا تتكون السنة.

فالتأريخ الهجري القمري تأريخ كوني ثابت دقيق لا يتغير، والشهر فيه مرتبط بظاهرة كونية يراها جميع البشر وهو دورة القمر في منازله في 29 أو 30 يومًا كما يراه الناس - وبهذه الرؤية ترتبط العبادة الشرعية- والفلكيون يجعلون تعديل الرقم إلى 29.5 بحسابهم، فالعام فيه ثابت على الطريقتين. وهو مكون من اثني عشر شهرًا ومجموع أيامه (354 يومًا) ، وذلك منذ خلق السموات والأرض (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ) وجعل البشر يعرفون مواسم مناسبة الزراعة وتكاثر النبات والحيوان بمعرفة مواقيت الأبراج والنجوم في قبة السماء فيتعلمون منها معرفة أوقات الفصول الأربعة وتغيراتها ومعرفة الاتجاهات (وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ) . ومن نعم الله أن جعل التغاير في مدة السنة الكونية القمرية مع دورة الشمس في منازل الأبراج. ونتيجة هذا التغاير أن ينعم الناس بالفصول الأربعة الصيف والشتاء والخريف والربيع في كل شهورهم القمرية على مدى السنين، فيصومون شهر رمضان مرة في الربيع ومرة في الشتاء وأخرى في الصيف أو الخريف، وهكذا في شهور الحج وسائر الشهور ..

ونصوص السنة تشير إلى أن اليهود كانوا يعرفون التأريخ القمري وأن موسى -عليه السلام- نصر على فرعون في يوم عاشرواء الذي كانت اليهود تصومه وتتخذه عيدًا (وهو يوم العاشر من شهر محرم في التأريخ القمري) . سواء يوم انتصاره على السحرة، أو يوم إغراق فرعون، كلاهما كان في عاشوراء. وهذا قبل ميلاد المسيح بمئات السنين. والأنبياء دينهم واحد، وكانوا يحجون من قبل ميلاد المسيح -عليه السلام- وبعده.

وكان العرب يعرفون الأشهر القمرية ويؤرخون بها ويعرفون الأشهر الحرم ويعرفون دين إبراهيم وإن حرفوه. ويعرفون الدورة الشمسية وأبراج السماء ونوء كذا وكوكب كذا. . ويفيدهم ذلك في معرفة مواسم الزراعة وتأبير النخل وتكاثر الحيوان وانتشار الأوبئة الموسمية المرتبطة بالتغير المناخي وأوقات خروج الهوام وانتشارها، وغير ذلك.

وحفظ الله لعباده تأريخهم القمري؛ فليس فيه زيادات وتغيير من وضع البشر لتزيد على سنة غيرها أو شهر على غيره دون سبب وأثر كوني، ولم يتدخل الملوك بتغييره بزيادة ولا نقصان في عدد الشهور أو مدتها أو حذف أيام من التاريخ في لحظة أو الزيادة والتعديل والتصحيح فيه كل فترة من مئات السنين كما هو واقع في التأريخ الذي يسمونه اليوم الميلادي وهو في الواقع التأريخ الجريجوري المعدّل كما هو مثبت عند علماء التأريخ.

فقد كان التقويم عند الرومان قمريًا لكن السنة فيه تتألف من عشرة أشهر فقط حتى جاء ملك روما (توما الثاني 716 - 673 ق. م) الذي أضاف شهري يناير وفبراير وأصبحت السنة تتألف من 355 يومًا.

ولم ينجُ هذا التقويم من العبث المتكرر، ففي قرابة سنة 45 قبل الميلاد استعان الإمبراطور الروماني يوليوس قيصر ببعض الفلكيين الإسكندريين لوضع تأريخ حسابي، يعتمد عليه، ويؤرخ به، فوضعوا له تأريخًا مستندًا إلى السنة الشمسية حيث كانوا يعظمون الشمس، وتمثل تعديلهم في جعل السنة العادية 365 يومًا والكبيسة 366 يومًا وتكون سنة كبيسة كل أربع سنوات، وجُعل عدد أيام الأشهر الفردية 31 يومًا والزوجية 30 يومًا، ودخل التقويم اليولياني حيز التنفيذ في سنة 45 ق م الموافقة لسنة 709 لإنشاء روما. وسُمّي الشهر السابع باسم يوليوس قيصر لأنه حقق فيه انتصارًا فصار اسمه يوليو.

ثم في سنة 33 ق. م تم تعديل اسم الشهر الثامن ليكون باسم القيصر أغسطس (أكتافيوس) ولئلا يكون شهر يوليس (يوليو) أكبر من شهر أغسطس؛ قام مجلس الشيوخ في عهد أغسطس بتعديل أيام الشهر إلى واحد وثلاثين يومًا بدلًا من ثلاثين يومًا؛ لأنه أحرز في هذا الشهر أعظم انتصاراته، فزادوا في الشهر الثامن يومًا على حساب شهر فبراير فأصبح شهر فبراير في السنة العادية 28 يومًا وفي الكبيسة 29 يومًا، ثم غيروا أعداد أيام الشهور بعد أغسطس لئلا تتوالى ثلاثة أشهر بنفس الطول (يوليو-أغسطس-سبتمبر) فعكسوا القاعدة، فصار سبتمبر 30 يومًا وأكتوبر 31 يومًا ونوفمبر 30 يومًا وديسمبر 31 يومًا.

وصارت الأشهر يتفاوت طولها في هذا التأريخ بشكل غير منطقي ولا كوني بين 28 و 29 و 30 و 31 يومًا! ! !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت